القرطبي

197

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( وما يشعرون ) أي يفطنون أن وبال خدعهم راجع عليهم ، فيظنون أنهم قد نجوا بخدعهم وفازوا ، وإنما ذلك في الدنيا ، وفي الآخرة يقال لهم : " ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا " [ الحديد : 13 ] على ما يأتي ( 1 ) . قال أهل اللغة : شعرت بالشئ أي فطنت له ، ومنه الشاعر لفطنته ، لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره من غريب المعاني . ومنه قولهم : ليت شعري ، أي ليتني علمت . قوله تعالى : في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ( 10 ) قوله تعالى : ( في قلوبهم مرض ) ابتداء وخبر . والمرض عبارة مستعارة للفساد الذي في عقائدهم . وذلك إما أن يكون شكا ونفاقا ، وإما جحدا وتكذيبا . والمعنى : قلوبهم مرضى لخلوها عن العصمة والتوفيق والرعاية والتأييد . قال ابن فارس اللغوي : المرض كل ما خرج به الانسان عن حد الصحة من علة أو نفاق أو تقصير في امر . والقراء مجمعون على فتح الراء من " مرض " إلا ما روى الأصمعي عن أبي عمرو أنه سكن الراء . قوله تعالى : ( فزادهم الله مرضا ) قيل : هو دعاء عليهم . ويكون معنى الكلام : زادهم الله شكا ونفاقا جزاء على كفرهم وضعفا عن الانتصار وعجزا عن القدرة ، كما قال الشاعر : يا مرسل الريح جنوبا وصبا * إذ غضبت زيد فزدها غضبا أي لا تهدها على الانتصار فيما غضبت منه . وعلى هذا يكون في الآية دليل على جواز الدعاء على المنافقين والطرد لهم ، لأنهم شر خلق الله . وقيل : هو إخبار من الله تعالى عن زيادة مرضهم ، أي فزادهم الله مرضا إلى مرضهم ، كما قال في آية أخرى : " فزادتهم رجسا إلى رجسهم ( 2 ) " [ التوبة : 125 ] . وقال أرباب المعاني : " في قلوبهم مرض " أي بسكونهم إلى الدنيا وحبهم لها وغفلتهم عن الآخرة وإعراضهم عنها . وقوله : " فزادهم الله مرضا " أي وكلهم إلى أنفسهم ، وجمع عليهم هموم الدنيا فلم يتفرغوا من ذلك إلى اهتمام بالدين . " ولهم عذاب أليم " بما يفنى عما يبقى . وقال الجنيد : علل القلوب من اتباع الهوى ، كما أن علل الجوارح من مرض البدن .

--> ( 1 ) راجع ج 17 ص 246 ( 2 ) راجع ج 8 ص 299