القرطبي
190
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
بتفضيل البصر على السمع ، لان السمع لا يدرك به إلا الأصوات والكلام ، والبصر يدرك به الأجسام والألوان والهيئات كلها . قالوا : فلما كانت تعلقاته أكثر كان أفضل ، وأجازوا الادراك بالبصر من الجهات الست . الثامنة - إن قال قائل : لم جمع الابصار ووحد السمع ؟ قيل له : إنما وحده لأنه مصدر يقع للقليل والكثير يقال : سمعت الشئ أسمعه سمعا وسماعا ، فالسمع مصدر سمعت ، والسمع أيضا اسم للجارحة المسموع بها سميت بالمصدر . وقيل : إنه لما أضاف السمع إلى الجماعة دل على أنه يراد به أسماع الجماعة ، كما قال الشاعر : ( 1 ) بها جيف الحسرى فأما عظامها * فبيض وأما جلدها فصليب إنما يريد جلودها فوحد ، لأنه قد علم أنه لا يكون للجماعة جلد واحد . وقال آخر ( 2 ) في مثله : لا تنكر القتل وقد سبينا * في حلقكم عظم وقد شجينا يريد في حلوقكم ، ومثله قول الآخر : كأنه وجه تركيين قد غضبا * مستهدف لطعان غير تذبيب وإنما يريد وجهين ، فقال وجه تركيين ، لأنه قد علم أنه لا يكون للاثنين وجه واحد ، ومثله كثير جدا . وقرئ : " وعلى أسماعهم " ويحتمل أن يكون المعنى وعلى مواضع سمعهم ، لان السمع لا يختم وإنما يختم موضع السمع ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . وقد يكون السمع بمعنى الاستماع ، يقال : سمعك حديثي - أي استماعك إلى حديثي - يعجبني ، ومنه قول ذي الرمة يصف ثورا تسمع إلى صوت صائد وكلاب : وقد توجس ركزا مقفر ندس * بنبأة الصوت ما في سمعه كذب
--> ( 1 ) هو علقمة بن عبدة . وصف طريقا بعيدا شاقا على من سلكه . فجيف الحسرى وهو المعيبة من الإبل مستقرة فيه . وقوله : فأما عظامها فبيض ، أي أكلت السباع والطير ما عليها من اللحم فتعرت وبدا وضحها . وقوله : وأما جلدها الخ ، أي محرم يائس لأنه ملقى بالفلاة لم يدبغ ، ويقال : الصليب هنا الودك ، أي قد سال ما فيه من رطوبة لاحماء الشمس عليه . ( عن شرح الشواهد للشنتمري ) . ( 2 ) هو المسيب بن زيد مناة الغنوي ، كما في كتاب سيبويه .