القرطبي
187
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وقد طبع على قلوبهم وعلى سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة ، فمتى يهتدون ، أو من يهديهم من بعد الله إذا أضلهم وأصمهم وأعمى أبصارهم " ومن يضلل ( 1 ) الله فما له من هاد " ! [ الزمر : 23 ] وكان فعل الله ذلك عدلا فيمن أضله وخذله ، إذ لم يمنعه حقا وجب له فتزول صفة العدل ، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم لا ما وجب لهم . فإن قالوا : إن معنى الختم والطبع والغشاوة التسمية والحكم والاخبار بأنهم لا يؤمنون ، لا الفعل . قلنا : هذا فاسد ، لان حقيقة الختم والطبع إنما هو فعل ما يصير به القلب مطبوعا مختوما ، لا يجوز أن تكون حقيقته التسمية والحكم ، ألا ترى أنه إذا قيل : فلان طبع الكتاب وختمه ، كان حقيقة أنه فعل ما صار به الكتاب مطبوعا ومختوما ، لا التسمية والحكم . هذا ما لا خلاف فيه بين أهل اللغة ، ولأن الأمة مجمعة على أن الله تعالى قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم ، كما قال تعالى : " بل طبع الله عليها بكفرهم " [ النساء : 155 ] . وأجمعت الأمة على أن الطبع والختم على قلوبهم من جهة النبي عليه السلام والملائكة والمؤمنين ممتنع ، فلو كان الختم والطبع هو التسمية والحكم لما امتنع من ذلك الأنبياء والمؤمنون ، لأنهم كلهم يسمون الكفار بأنهم مطبوع على قلوبهم ، وأنهم مختوم عليها وأنهم في ضلال لا يؤمنون ، ويحكمون عليهم بذلك . فثبت أن الختم والطبع هو معنى غير التسمية والحكم ، وإنما هو معنى يخلقه الله في القلب يمنع من الايمان به ، دليله قوله تعالى : " كذلك نسلكه في قلوب المجرمين ( 2 ) . لا يؤمنون به " [ الحجر : 12 ] . وقال : " وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ( 2 ) " [ الانعام : 25 ] . أي لئلا يفقهوه ، وما كان مثله . الرابعة - قوله : ( على قلوبهم ) فيه دليل على فضل القلب على جميع الجوارح . والقلب للانسان وغيره . وخالص كل شئ وأشرفه قلبه ، فالقلب موضع الفكر . وهو في الأصل مصدر قلبت الشئ أقلبه قلبا إذا رددته على بداءته . وقلبت الاناء : رددته على وجهه . ثم نقل هذا اللفظ فسمي به هذا العضو الذي هو أشرف الحيوان ، لسرعة الخواطر إليه ، ولترددها عليه ، كما قيل : ما سمي القلب إلا من تقلبه * فاحذر على القلب من قلب وتحويل
--> ( 1 ) راجع ج 15 ص 250 ( 2 ) راجع ج 10 ص 7 . 271 .