القرطبي

178

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وأن الله تعالى يرزقهم مع كونهم غير مالكين ، فعلم أن الرزق ما قلناه لا ما قالوه . والذي يدل على أنه لا رازق سواه قوله الحق : " هل من خالق غير الله يرزقكم ( 1 ) من السماء والأرض " [ فاطر : 3 ] وقال : " إن الله هو الرزاق ( 2 ) ذو القوة المتين " [ الذاريات : 58 ] وقال : " وما من دابة ( 3 ) في الأرض إلا على الله رزقها " [ هود : 6 ] وهذا قاطع ، فالله تعالى رازق حقيقة وابن آدم رازق تجوزا ، لأنه يملك ملكا منتزعا كما بيناه في الفاتحة ( 4 ) ، مرزوق حقيقة كالبهائم التي لا ملك لها ، إلا أن الشئ إذا كان مأذونا له في تناوله فهو حلال حكما ، وما كان منه غير مأذون له في تناوله فهو حرام حكما ، وجميع ذلك رزق . وقد خرج بعض النبلاء من قوله تعالى : " كلوا من رزق ربكم ( 5 ) واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور " [ سبأ : 15 ] فقال : ذكر المغفرة يشير إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام . الثالثة والعشرون - قوله تعالى : " ومما رزقناهم " الرزق مصدر رزق يرزق رزقا ورزقا ، فالرزق بالفتح المصدر ، وبالكسر الاسم ، وجمعه أرزاق ، والرزق : العطاء . والرازقية : ثياب كتان [ بيض ] ( 6 ) . وارتزق الجند : أخذوا أرزاقهم . والرزقة : المرة الواحدة ، هكذا قال أهل اللغة . وقال ابن السكيت : الرزق بلغة أزد شنوءة : الشكر ، وهو قوله عز وجل : " وتجعلون ( 7 ) رزقكم أنكم تكذبون " [ الواقعة : 82 ] أي شكركم التكذيب . ويقول : رزقني أي شكرني . الرابعة والعشرون - قوله تعالى : " ينفقون " ينفقون : يخرجون . والانفاق : إخراج المال من اليد ، ومنه نفق البيع : أي خرج من يد البائع إلى المشتري . ونفقت الدابة : خرجت روحها ، ومنه النافقاء لجحر اليربوع الذي يخرج منه إذا أخذ من جهة أخرى . ومنه المنافق ، لأنه يخرج من الايمان أو يخرج الايمان من قلبه . ونيفق السراويل معروفة وهو مخرج الرجل منها . ونفق الزاد : فنى وأنفقه صاحبه . وأنفق القوم : فني زادهم ، ومنه قوله تعالى : " إذا لأمسكتم خشية الانفاق ( 8 ) " [ الاسراء : 100 ] .

--> ( 1 ) راجع ج 14 ص 321 فما بعد . ( 2 ) راجع ج 17 ص 55 ( 3 ) راجع ج 9 ص 6 فما بعد . ( 4 ) راجع ص 140 فما بعدها من هذا الجزء . ( 5 ) راجع ج 14 ص 284 ( 6 ) الزيادة عن اللسان مادة ( رزق ) . ( 7 ) ج 17 ص 228 فما بعد . ( 8 ) راجع ج 10 ص 335