القرطبي

157

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ومن قال : إنها أسماء السور فموضعها عنده الرفع على أنها عنده خبر ابتداء مضمر ، أي هذه " الم‍ " ، كما تقول : هذه سورة البقرة . أو تكون رفعا على الابتداء والخبر ذلك ، كما تقول : زيد ذلك الرجل . وقال ابن كيسان النحوي : " ألم " في موضع نصب ، كما تقول : اقرأ " ألم " أو عليك " ألم " . وقيل : في موضع خفض بالقسم ، لقول ابن عباس : إنها أقسام أقسم الله بها . قوله تعالى : ( ذلك الكتاب ) قيل : المعنى هذا الكتاب . و " ذلك " قد تستعمل في الإشارة إلى حاضر ، وإن كان موضوعا للإشارة إلى غائب ، كما قال تعالى في الاخبار عن نفسه جل وعز : " ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم ( 1 ) " ، ومنه قول خفاف بن ندبة : أقول له والرمح يأطر ( 2 ) متنه * تأمل خفافا إنني أنا ذلكا أي أنا هذا . ف‍ " ذلك " إشارة إلى القرآن ، موضوع موضع هذا ، تلخيصه : ألم هذا الكتاب لا ريب فيه . وهذا قول أبي عبيدة وعكرمة وغيرهما ، ومنه قوله تعالى : " وتلك حجتنا آتيناها ( 3 ) إبراهيم " " تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق ( 4 ) " أي هذه ، لكنها لما أنقضت صارت كأنها بعدت فقيل تلك . وفي البخاري " وقال معمر ذلك الكتاب هذا القرآن " . " هدى للمتقين " بيان ودلالة ، كقوله : " ذلكم حكم الله يحكم بينكم " ( 5 ) هذا حكم الله . قلت : وقد جاء " هذا " بمعنى " ذلك " ، ومنه قوله عليه السلام في حديث أم حرام : ( يركبون ثبج ( 6 ) هذا البحر ) أي ذلك البحر ، والله أعلم . وقيل : هو على بابه إشارة إلى غائب . واختلف في ذلك الغائب على أقوال عشرة ، فقيل : " ذلك الكتاب " أي الكتاب الذي كتبت على الخلائق بالسعادة والشقاوة والأجل والرزق لا ريب فيه ، أي لا مبدل له . وقيل : ذلك الكتاب ، أي الذي كتبت على نفسي في الأزل ( أن رحمتي سبقت غضبي ) . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده أن رحمتي تغلب غضبي ) في رواية : ( سبقت ) . وقيل :

--> ( 1 ) سورة السجدة آية 6 . ( 2 ) يأطر : يثنى . ( 3 ) سورة الأنعام آية 83 . ( 4 ) سورة البقرة آية 252 ( 5 ) سورة الممتحنة آية 10 ( 6 ) ثبج البحر : وسطه ومعظمه .