القرطبي
134
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
والقلب ، والحمد إنما يكون باللسان خاصة . وقيل : الحمد أعم ، لان فيه معنى الشكر ومعنى المدح ، وهو أعم من الشكر ، لان الحمد يوضع موضع الشكر ولا يوضع الشكر موضع الحمد . وروي عن ابن عباس أنه قال : الحمد لله كلمه كل شاكر ، وإن آدم عليه السلام قال حين عطس : الحمد لله . وقال الله لنوح عليه السلام : " فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين " ( 1 ) وقال إبراهيم عليه السلام : " الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحق " ( 2 ) . وقال في قصة داود وسليمان : " وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين " ( 3 ) . وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : " وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا " ( 4 ) . وقال أهل الجنة : " الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن " ( 5 ) . " وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين " ( 6 ) . فهي كلمة كل شاكر . قلت : الصحيح أن الحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان ، والشكر ثناء على المشكور بما أولى من الاحسان ( 7 ) . وعلى هذا الحد قال علماؤنا : الحمد أعم من الشكر ، لان الحمد يقع على الثناء وعلى التحميد وعلى الشكر ، والجزاء مخصوص إنما يكون مكافأة لمن أولاك معروفا ، فصار الحمد أعم في الآية لأنه يزيد على الشكر . ويذكر الحمد بمعنى الرضا ، يقال : بلوته فحمدته ، أي رضيته . ومنه قول تعالى : " مقاما محمودا " ( 8 ) . وقال عليه السلام : ( أحمد إليكم غسل الإحليل ) أي أرضاه لكم . ويذكر عن جعفر الصادق في قوله " الحمد لله " : من حمده بصفاته كما وصف نفسه فقد حمد ، لان الحمد جاء وميم ودال ، فالحاء من الوحدانية ، والميم من الملك ، والدال من الديمومية ، فمن عرفه بالوحدانية والديمومية والملك فقد عرفه ، وهذا هو حقيقة الحمد لله . وقال شقيق بن إبراهيم في تفسير " الحمد لله " قال : هو على ثلاثة أوجه : أولها إذا أعطاك الله شيئا تعرف من أعطاك . والثاني أن ترضى بما أعطاك . والثالث ما دامت قوته في جسدك ألا تعصيه ، فهذه شرائط الحمد .
--> ( 1 ) آية 28 سورة المؤمنون . ( 2 ) آية 39 سورة إبراهيم . ( 3 ) آية 15 سورة النمل . ( 4 ) آية 111 سورة الإسراء . ( 5 ) آية 34 سورة فاطر . ( 6 ) آية 10 سورة يونس . ( 7 ) عقب ذلك ابن عطية في تفسيره قوله : فالحامد من الناس قسمان : الشاكر والمثنى بالصفات . وبه يتضح كلام المؤلف . ( 8 ) آية 79 سورة الإسراء .