القرطبي
104
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
لم تنكره العرب حين سمعوه ، إذ كانوا لا ينكرون رحمة ربهم ، وقد قال الله عز وجل : " وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن " الآية . ولما كتب علي رضي الله عنه في صلح الحديبية بأمر النبي صلى الله عليه وسلم : " بسم الله الرحمن الرحيم " قال سهيل بن عمرو : أما " بسم الله الرحمن الرحيم " فما ندري ما " بسم الله الرحمن الرحيم " ! ولكن اكتب ما نعرف : باسمك اللهم ، الحديث . قال ابن العربي : إنما جهلوا الصفة دون الموصوف ، واستدل على ذلك بقولهم : وما الرحمن ؟ ولم يقولوا : ومن الرحمن ؟ قال ابن الحصار : وكأنه رحمه الله لم يقرأ الآية الأخرى : " وهم يكفرون بالرحمن " . وذهب الجمهور من الناس إلى أن " الرحمن " مشتق من الرحمة مبني على المبالغة ، ومعناه ذو الرحمة الذي لا نظير له فيها ، فلذلك لا يثني ولا يجمع كما يثنى " الرحيم " ويجمع . قال ابن الحصار : ومما يدل على الاشتقاق ما خرجه الترمذي وصححه عن عبد الرحمن ابن عوف أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " قال الله عز وجل أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته " . وهذا نص في الاشتقاق ، فلا معنى للمخالفة والشقاق ، وإنكار العرب له لجهلهم بالله وبما وجب له . الثالثة والعشرون - زعم المبرد فيما ذكر ابن الأنباري في كتاب " الزاهر " له : أن " الرحمن " اسم عبراني فجاء معه ب " الرحيم " . وأنشد ( 1 ) : لن تدركوا المجد أو تشروا عباءكم * بالخز أو تجعلوا الينبوت ضمرانا - أو تتركون ( 2 ) إلى القسين هجرتكم * ومسحكم صلبهم رحمان قربانا قال أبو إسحاق الزجاج في معاني القرآن : وقال أحمد بن يحيى : " الرحيم " عربي و " الرحمان " عبراني ، فلهذا جمع بينهما . وهذا القول مرغوب عنه . وقال أبو العباس : النعت قد يقع للمدح ، كما تقول : قال جرير الشاعر . وروى مطرف عن قتادة في قوله عز وجل : " بسم الله الرحمن الرحيم " قال : مدح نفسه . قال أبو إسحاق :
--> ( 1 ) قائله جرير ، والينبوت : ضرب من الشجر . ( 2 ) انظر شرح القاموس واللسان مادة " رحم " .