القرطبي

4

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

باب ذكر جمل من فضائل القرآن ، والترغيب فيه ، وفضل طالبه وقارئه ومستمعه والعامل به اعلم أن هذا الباب واسع كبير ، ألف فيه العلماء كتبا كثيرة ، نذكر من ذلك نكتا تدل على فضله ، وما أعده الله لأهله ، إذا أخلصوا الطلب لوجهه . وعملوا به . فأول ذلك أن يستشعر المؤمن من فضل القرآن أنه كلام رب العالمين ، غير مخلوق ، كلام من ليس كمثله شئ ، وصفة من ليس له شبيه ولا ند ، فهو من نور ذاته جل وعز ، وأن القراءة أصوات القراء ونغماتهم ، وهي أكسابهم التي يؤمرون بها في حال إيجابا في بعض العبادات ، وندبا في كثير من الأوقات ، ويزجرون ( 1 ) عنها إذا أجنبوا ، ويثابون عليها ويعاقبون على تركها . وهذا مما أجمع عليه المسلمون أهل الحق ، ونطقت به الآثار ، ودل عليها المستفيض من الأخبار ، ويتعلق الثواب والعقاب إلا بما هو من اكتساب العباد ، على ما يأتي بيانه . ولولا أنه - سبحانه - جعل في قلوب عباده من القوة على حمله ما جعله ، ليتدبروه وليعتبروا به ، وليتذكروا ما فيه من طاعته وعبادته ، يقول - تعالى جده - وقوله الحق : " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ( 2 ) " . فأين قوت القلوب من قوة الجبال ! ولكن الله تعالى رزق عباده من القوة على حمله ما شاء أن يرزقهم ، فضلا منه ورحمة . وأما ما جاء من الآثار في هذا الباب - فأول ذلك ما خرجه الترمذي عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الرب تبارك وتعالى من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته ما أعطي السائلين - قال : - وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه " . قال : هذا حديث حسن غريب . وروى أبو محمد الدارمي السمرقندي في مسنده عن عبد الله قال : السبع الطول مثل التوراة ، والمئون مثل الإنجيل ، والمثاني مثل الزبور ، وسائر القرآن بعد فضل . وأسند عن الحارث

--> ( 1 ) في نسخة : ويؤجرون عنها إذا أجيبوا . ( 2 ) آية 21 سورة الحشر .