الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

487

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ثم يستمر تعالى بقوله : كلما القي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير . فلماذا إذن أوقعتم أنفسكم في هذا المصير البائس ، وهذا البلاء العظيم والساعة الرهيبة ، إن الملائكة ( خزنة جهنم ) يستغربون ويكادون أن يصعقوا لما أصابكم وما أوقعتم به أنفسكم ، في مثل هذه الداهية مع الوعي الذي حباكم به الله سبحانه وما تفضل به عليكم من نعمة الرسل الإلهيين والقادة من الأنبياء والمرسلين . . فكيف اخترتم لأنفسكم مقرا كهذا ؟ قالوا بلى قد جاءنا نذير ، فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شئ إن أنتم إلا في ضلال كبير . وهكذا يأتي الاعتراف : نعم قد جاءنا الرسل إلا أننا كذبناهم ولم نسمع نداءهم المحيي للنفوس بل خالفناهم وعارضناهم واعتبرناهم ضالين ، وأخرجناهم من بين صفوفنا ، وأبعدناهم عنا . . ثم يذكر القرآن الدليل الأصلي على شقائهم وتعاستهم ولكن على لسانهم فيقول : وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ، أجل هكذا يأتي اعترافهم بذنوبهم بعد فوات الأوان فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير . وفي هذه الآيات وضمن بيان المصير المرعب لهؤلاء يشير إلى السبب الحقيقي لذلك ، فمن جهة أعطاهم الله تعالى الاذن السامعة والعقل ، ومن جهة أخرى بعث إليهم الرسل والأنبياء بالدلائل الواضحة فلو اقترن هذان الأمران فالنتيجة هي ضمان سعادة الإنسان ، أما لو كان للإنسان اذن لا يسمع بها ، وعين لا يبصر بها ، وعقل لا يفكر به ، فلو جاءه جميع الأنبياء والمرسلين بكافة معاجزهم وكتبهم ، لم ينتفع بشئ . وقد ورد في الحديث الشريف ، أن بعض المسلمين ذكروا شخصا عند رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأثنوا عليه ، فقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " كيف عقل الرجل " فقيل : يا رسول الله نحن نسأل عن سعيه وعبادته وخيراته وأنت تسأل عن عقله ؟ ! فقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " إن الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر ، وإنما يرتفع العباد غدا في