الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

480

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ثم يضيف سبحانه : ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت . إن الآية أعلاه تبين لنا أن عالم الوجود - بكل ما يحيطه من العظمة - قائم وفق نظام مستحكم ، وقوانين منسجمة ، ومقادير محسوبة ، ودقة متناهية ، ولو وقع أي خلل في جزء من هذا العالم الفسيح لأدى إلى دماره وفنائه . وهذه الدقة المتناهية ، والنظام المحير ، والخلق العجيب ، يتجسد لنا في كل شئ ، ابتداء من الذرة الصغيرة وما تحويه من الإلكترونات والنيوترونات والبروتونات ، وانتهاء بالنظم الحاكمة على جميع المنظومة الشمسية والمنظومات الأخرى ، كالمجرات وغيرها . . إذ أن جميع ذلك يخضع لسيطرة قوانين متناهية في الدقة ، ويسير وفق نظام خاص . وخلاصة القول أن كل شئ في الوجود له قانون وبرنامج ، وكل شئ له نظام محسوب . ثم يضيف تعالى مؤكدا : فارجع البصر هل ترى من فطور . " فطور " من مادة ( فطر ) ، على وزن ( سطر ) بمعنى الشق من الطول ، كما تأتي بمعنى الكسر ( كإفطار الصيام ) والخلل والإفساد ، وقد جاءت بهذا المعنى في الآية مورد البحث . ويقصد بذلك أن الإنسان كلما دقق وتدبر في عالم الخلق والوجود ، فإنه لا يستطيع أن يرى أي خلل أو اضطراب فيه . لذا يضيف سبحانه مؤكدا هذا المعنى في الآية اللاحقة حيث يقول : ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير . " كرتين " من مادة ( كر ) على وزن ( شر ) بمعنى التوجه والرجوع إلى شئ معين ، و ( كرة ) بمعنى التكرار و ( كرتين ) مثناها . إلا أن بعض المفسرين ذكر أن المقصود من ال‍ ( كرتين ) هنا ليس التثنية ، بل الالتفات والتوجه المتكرر المتعاقب والمتعدد .