الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
381
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
جملة : فأحسن صوركم يراد بها الإشارة إلى المظهر الخارجي والمحتوى الداخلي على حد سواء . وأن التأمل في خلق الإنسان وصورته ، يظهر مدى القدرة التي خلق بها البارئ هذا المخلوق الرائع ، الذي امتاز على كل ما سواه من المخلوقات . ولأن الإنسان خلق لهدف سام عظيم ، فعليه أن يكون دائما تحت إرادة البارئ وضمن طاعته ، فإنه يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور . تجسد هذه الآية علم الله اللامتناهي في ثلاثة مستويات : علمه بكل المخلوقات ، وما في السماوات والأرض . ثم علمه بأعمال الإنسان كافة ، سواء أضمرها أو أظهرها . والثالث علمه بنية الإنسان وعقائده الداخلية التي تحكم قلب الإنسان وروحه . ولا شك أن معرفة الإنسان بهذا العلم الإلهي ستترك عليه آثارا تربوية كثيرة ، وتحذره بأن جميع تحركاته وسكناته وكل تصرفاته ونياته ، وفي أي مكان كانت ، إنما هي في علم الله وتحت نظره تبارك وتعالى . ومما لا شك فيه أن ذلك سيهئ الإنسان للحركة نحو الرقي والتكامل . ثم يلفت القرآن الكريم الانتباه إلى أهم عامل في تربية الإنسان وتعليمه ، وهو الإتعاظ بمصارع القرون وما جرى على الأقوام السالفة حيث يقول : ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم . ألم تمروا على مدنهم المهدمة وآثارهم المدمرة في طريقكم إلى الشام والأماكن الأخرى ، فتروا بأم أعينكم نتيجة كفرهم وظلمهم . اقرأوا أخبارهم في التاريخ ، بعضهم أخذته العواصف ، وآخرون أتى عليهم الطوفان ، وكان هذا عذابهم في الدنيا وفي الآخرة لهم عذاب أشد .