الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
356
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وفي يوم الحشر يلجأ المنافقون لنفس الأسلوب في الحلف ، كما جاء في الآية 18 من سورة المجادلة . وبذلك يتضح أن هذا السلوك صار جزءا من كيانهم ، فهم لا يمتنعون عنه حتى في مشهد الحشر بين يدي الله تعالى . وتتطرق الآية اللاحقة إلى ذكر السبب الذي يقف وراء هذه الأعمال السيئة ، حيث يقول تعالى : ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون . والمقصود بالإيمان - كما يعتقد بعض المفسرين - هو الإيمان الظاهري الذي يخفي وراءه الكفر . ولكن يبدو أن الآية تريد أن تقول : إنهم كانوا مؤمنين حقا وذاقوا طعم الإيمان ولمسوا حقانية الإسلام والقرآن ، ثم انتهجوا منهج الكفر مع احتفاظهم بظاهر الإيمان أو الإيمان الظاهري . وقد سلب الله منهم حس التشخيص وحرمهم إدراك الحقائق ، لأنهم أعرضوا عن الحق ، وأداروا له ظهورهم بعد أن شخصوه وعرفوه حقا . والواقع أن المنافقين مجموعتان : المجموعة الأولى : كان إيمانها منذ البداية ظاهريا وصوريا . والثانية : كان إيمانها حقيقيا في البداية ثم ارتدوا ولزموا طريق النفاق . والظاهر أن الآية - مورد البحث - تتعرض للمجموعة الثانية . وتشبه هذه الآية ( 74 ) من سورة التوبة التي تقول : وكفروا بعد إسلامهم . على كل حال فإن عدم قدرتهم على إدراك الحقائق الواضحة تعتبر علامة ثالثة من علامات نفاقهم . ومن الواضح أنهم غير مجبرين على ذلك ، لأنهم قد هيأوا مقدماته بأنفسهم .