الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
353
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ويأتي خطرهم ثالثا من ارتباطاتهم مع سائر عناصر المجتمع بعلاقات بحيث تصعب مكافحتهم . ولهذا نرى أن أكثر الضربات التي تلقاها الإسلام على مدى التاريخ جاءته من هذا المعسكر - أي معسكر النفاق . ولهذا - أيضا - نلاحظ أن الإسلام شن حملات شديدة جدا عليهم ، ووجه إليهم ضربات عنيفة لم يوجهها إلى غيرهم . وبعد هذه المقدمة نرجع إلى تفسير الآيات . إن أول صفة يذكرها القرآن للمنافقين هي : إظهار الإيمان الكاذب الذي يشكل الظاهرة العامة للنفاق ، حيث يقول تعالى : إذا جاءك المنافقون وقالوا نشهد إنك لرسول الله ( 1 ) ويضيف والله يعلم أن المنافقين لكاذبون . وهذه أول علامة من علامات المنافقين ، حيث اختلاف الظاهر مع الباطن ، ففي الوقت الذي يظهر المنافقون الإيمان ويدعونه بألسنتهم ، نرى قلوبهم قد خلت من الإيمان تماما . وهذه الظاهرة تشكل المحور الرئيسي للنفاق . ومما تجدر الإشارة إليه أن الصدق والكذب على نوعين : " صدق وكذب خبري " و " صدق وكذب مخبري " ، يكون المعيار والمقياس في القسم الأول هو موافقته وعدم موافقته للواقع ، بينما يكون المقياس في القسم الثاني هو موافقته وعدم موافقته للاعتقاد ، فإذا جاء الإنسان بخبر مطابق للواقع ولكنه غير مطابق لاعتقاده ، فهذا من الكذب المخبري ، وفي حالة مطابقته لعقيدته فهو صادق . وبناء على هذا فإن شهادة المنافقين على رسالة الرسول ليست من قبيل الكذب الخبري لأنها مطابقة للواقع ، ولكنها من نوع الكذب المخبري إذ تخالف اعتقاد المنافقين . لذلك جاء التعبير القرآني : والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون .
--> 1 - ذكرت " إن " هنا مكسورة ، لأن لام التأكيد قد جاءت في بداية الخبر ، وفي هذه الصورة يقدم التقدير .