الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
335
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
هذه الجملة أوسع من ذلك بكثير . لهذا فسرها بعضهم بعيادة المريض وزيارة المؤمن وطلب العلم والمعرفة ، ولم يحصروها بهذه المعاني كذلك . من الواضح أن الانتشار في الأرض وطلب الرزق ليس أمرا وجوبيا ، ولكن - كما هو معلوم أصوليا " أمر بعد الحظر والنهي " - دليل على الجواز والإباحة . مع أن البعض فهم من هذا التعبير أن المقصود هو استحباب طلب الرزق والكسب بعد صلاة الجمعة ، وإشارة إلى كونه مباركا أكثر . وجاء في الحديث أن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يمشي في السوق بعد صلاة الجمعة . جملة واذكروا الله كثيرا إشارة إلى ذكر الله تعالى الذي وهب كل تلك البركات والنعم للإنسان . وقال بعضهم : إن الذكر هنا يعني التفكر كما جاء في الحديث " تفكر ساعة خير من عبادة سنة " ( 1 ) . وفسرها آخرون بمعنى التوجه إلى الله تعالى في الكسب والمعاملات وعدم الانحراف عن جادة الحق والعدالة . غير أنه من الواضح أن للآية مفهوما واسعا يشمل كل تلك المعاني ، كما أنه من المسلم أن روح الذكر هو التفكر . والذكر الذي لا يكون مقرونا بالتفكر لا يزيد عن كونه لقلقة لسان ، وإن الذكر الممزوج بالتفكر هو سبب الفوز في جميع الحالات . ومما لا شك فيه أن استمرار الذكر والمداومة عليه يرسخ الخوف من الله ويعمقه في نفس الإنسان ، ويجعله يستشعر ذلك في أعماق نفسه ، ويقضي نهائيا على أسباب الغفلة والجهل اللذين يشكلان السبب الأساس لكل الذنوب ، ويضع الإنسان في طريق الفلاح دائما . وهناك تتحقق حقيقة لعلكم تفلحون . في آخر الآية - مورد البحث - ورد ذم عنيف للأشخاص الذين تركوا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في صلاة الجمعة وأسرعوا للشراء من القافلة القادمة ، إذ يقول تعالى :
--> 1 - مجمع البيان ، ج 10 ، ص 289 .