الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

303

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

من عذاب أليم . بالرغم من أن الإيمان والجهاد من الواجبات المفروضة ، إلا أن الآيات هنا لم تطرحها بصيغة الأمر . بل قدمتها بعرض تجاري مقترن بتعابير تحكي اللطف اللامتناهي للبارئ عز وجل ، ومما لا شك فيه فإن ( النجاة من العذاب الأليم ) من أهم أمنيات كل إنسان . ولذا فإن السؤال المثار هو : هل تريدون من يدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ؟ وهو سؤال مثير لانتباه الجميع ، وقد بادر في نفس الوقت وبدون انتظار للإجابة متحدثا عن هذه التجارة المتعددة المنافع ، حيث يضيف تعالى : تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ( 1 ) . ومما لا شك فيه أن الله سبحانه غني عن هذه التجارة النافعة وأن جميع منافعها تعود على المؤمنين ، لذا يقول في نهاية الآية : ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون . والجدير بالملاحظة هنا أن المخاطب هم المؤمنون بقرينة قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لكنه في الوقت نفسه يدعوهم إلى الإيمان والجهاد . وربما كان هذا التعبير إشارة إلى أن الإيمان يلزم أن يكون عميقا وخالصا لله سبحانه ، حتى يستطيع أن يكون منبعا لكل خير ، وحافزا للإيثار والتضحية والجهاد ، وبذا لا يعتد بالإيمان الاسمي السطحي . أو أن التأكيد على الإيمان بالله ورسوله هنا ، هو شرح لمفهوم الإيمان الذي عرض بصورة إجمالية في بداية الآية السابقة . وعلى كل حال فإن الإيمان بالرسول لا ينفصل عن الإيمان بالله تعالى ، كما أن الجهاد بالنفس لا ينفصل عن الجهاد بالمال ، ذلك أن جميع الحروب تستلزم

--> 1 - جملة : ( تؤمنون بالله ) جملة استئنافية تفسر التجارة ، واعتبر البعض أنها عطف بيان ، وعلى كل حال فإن هذه ( الجملة الخبرية ) لها معنى الأمر .