الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
280
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
تعرضت له ، وبهذا تستوعب كل قول لا يقترن بعمل ويستحق اللوم والتوبيخ ، سواء يتعلق بالثبات في ميدان الجهاد أو أي عمل إيجابي آخر . وذهب بعض المفسرين إلى أن المخاطب في هذه الآيات هم المتظاهرون بالإيمان والمنافقون ، مع أن الخطاب في هذه الآية موجه إلى الذين آمنوا ، كما أن تعبيرات الآيات اللاحقة تبين لنا أن المخاطب بذلك هم المؤمنون ، ولكنهم لم يصلوا بعد إلى الإيمان الكامل وأعمالهم غير منسجمة مع أقوالهم . ثم يضيف سبحانه مواصلا القول : كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ( 1 ) حيث التصريحات العلنية في مجالس السمر والادعاء بالشجاعة ، ولكن ما أن تحين ساعة الجد إلا ونلاحظ الهروب والنكوص والابتعاد عن تجسيد الأقوال المدعاة . إن من السمات الأساسية للمؤمن الصادق هو الانسجام التام بين أقواله وأعماله وكلما ابتعد الإنسان عن هذا الأصل ، فإنه يبتعد عن حقيقة الإيمان . " المقت " في الأصل : ( البغض الشديد لمن ارتكب عملا قبيحا ) وكان عرب الجاهلية يطلقون عبارة ( نكاح المقت ) لمن يتزوج زوجة أبيه . وفي الجملة السابقة نلاحظ اقتران مصطلح " المقت " مع " الكبر " ، والذي هو دليل أيضا على الشدة والعظمة ، كما هو دليل على الغضب الإلهي الشديد على من يطلقون أقوالا ولا يقرنونها بالأعمال . يقول المرحوم العلامة الطباطبائي في الميزان : فرق بين أن يقول الإنسان شيئا لا يريد أن يفعله ، وبين الإنسان الذي لا ينجز عملا يقوله . فالأول دليل النفاق ، والثاني دليل ضعف الإرادة ( 2 ) .
--> 1 - اعتبر بعض المفسرين ( كبر ) من أفعال ( المدح والذم ) ، ( تفسير روح البيان نهاية الآيات مورد البحث ) ، كما فهم البعض منها معنى التعجب ( تفسير الكشاف ) . 2 - الميزان ، ج 19 ، ص 287 .