الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
272
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وهذا التفسير يتناسب أيضا مع سبب النزول الذي ذكر لهذه الآية ، حيث تحدثنا بعض الروايات أن قسما من فقراء المسلمين كانوا يذهبون بأخبار المسلمين إلى اليهود مقابل إعطائهم شيئا من فواكه أشجارهم ، فنزلت الآية أعلاه ونهتهم عن ذلك ( 1 ) . ومع ذلك فإن للآية مفهوما واسعا حيث يشمل جميع الكفار والمشركين ، والتعبير ب " الغضب " في القرآن الكريم لا ينحصر باليهود فقط ، إذ ورد بشأن المنافقين أيضا كما في الآية ( 6 ) من سورة الفتح ، بالإضافة إلى أن سبب النزول لا يحدد مفهوم الآية . وبناء على هذا فإن ما جاء في الآية الشريفة يتناسب مع أمر واسع جاء في أول آية من هذه السورة تحت عنوان ( موالاة أعداء الله ) . ثم تتناول الآية أمرا يعتبر دليلا على هذا النهي حيث يقول تعالى : قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور ( 2 ) . ذلك أن موتى الكفار سيرون نتيجة أعمالهم في البرزخ حيث لا رجعة لهم لجبران ما مضى من أعمالهم السيئة ، لذلك فإنهم يئسوا تماما من النجاة ، وهؤلاء المجرمون في هذه الدنيا قد غرقوا في آثامهم وذنوبهم إلى حد فقدوا معه كل أمل في نجاتهم ، كما هو الحال بالنسبة للموتى من الكفار . إن مثل هؤلاء الأفراد من الطبيعي أن يكونوا أشخاصا غير امناء ولا يعتد بكلامهم وعهدهم ، ولا اعتبار لودهم وصداقتهم ، لأنهم يائسون تماما من رحمة
--> 1 - مجمع البيان ، ج 9 ، ص 276 . 2 - ذهب بعض المفسرين إلى احتمالات أخرى في تفسير هذه الآية من جملتها : أنهم يئسوا من ثواب الآخرة كما يئس المشركون من إحياء أصحاب القبور ، إلا أن التفسير الذي ذكرناه أعلاه أنسب ( ومما يجدر الانتباه إليه أنه طبقا للتفسير الأول فإن ( من أصحاب القبور ) وصف للكفار وطبقا للتفسير الأخير فإنها متعلقة ب ( يئس ) .