الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
212
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الأحوال ، والخشية من محكمة عدله ودقة حسابه الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها في صحيفة أعمالنا . . ولذا فإن التوجه إلى هذين الأساسين ( المبدأ والمعاد ) كان على رأس البرامج التربوية للأنبياء والأولياء ، وذلك لتأثيرها العميق في تطهير الفرد والمجتمع . والنقطة الجديرة بالملاحظة أن القرآن الكريم يعلن هنا - بصراحة - أن الغفلة عن الله تسبب الغفلة عن الذات ، ودليل ذلك واضح أيضا ، لأن نسيان الله يؤدي من جهة إلى انغماس الإنسان في اللذات المادية والشهوات الحيوانية ، وينسى خالقه ، وبالتالي يغفل عن إدخار ما ينبغي له في يوم القيامة . ومن جهة أخرى فان نسيان الله ونسيان صفاته المقدسة وأنه سبحانه هو الوجود المطلق والعالم اللامتناهي ، والغنى اللامحدود . . وكل ما سواه مرتبط به ، ومحتاج لذاته المقدسة . . كل ذلك يسبب أن يتصور نفسه مستقلا ومستغنيا عن المبدأ ( 1 ) . وأساسا فإن النسيان - بحد ذاته - من أكبر مظاهر تعاسة الإنسان وشقائه ، لأن قيمة الإنسان في قابلياته ولياقاته الذاتية وطبيعة خلقه التي تميزه عن الكثير من المخلوقات ، وإذا نسيها فهذا يعني نسيان إنسانيته ، وفي مثل هذه الحالة يسقط الإنسان في وحل الحيوانية ، ويصبح همه الأكل والشرب والنوم والشهوات . وهذه كلها عامل أساس للفسق والفجور ، بل إن نسيان الذات هو من أسوأ مصاديق الفسق والخروج عن طاعة الله ، ولهذا يقول سبحانه : أولئك هم الفاسقون . ومما يجدر بيانه أن الآية لم تقل " لا تنسوا الله " ، بل وردت بعبارة ولا تكونوا كالذين نسوا الله أي كالأشخاص الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ،
--> 1 - الميزان ، ج 19 ، ص 253 .