الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
201
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
إن قسما من منافقي المدينة - كعبد الله بن أبي وأصحابه - أرسلوا شخصا إلى يهود بني النضير وأبلغهم بما يلي : أثبتوا في أماكنكم بقوة ، ولا تخرجوا من بيوتكم ، وحصنوا قلاعكم ، وسيكون إلى جنبكم ألفا مقاتل من قومنا مدد لكم ، وإننا معكم حتى النهاية . كما أن بني قريظة وقبيلة غطفان والمتعاطفين معكم سيلتحقون بكم أيضا . إن هذه الرسالة - التي وجهها المنافق عبد الله بن أبي إلى يهود بني النضير - أوجدت لديهم الإصرار والعناد على مخالفة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والخروج عن أمره ، وفي هذه الحالة انبرى ( سلام ) أحد كبار يهود بني النضير إلى " حي بن أخطب " الذي كان أحد وجوه بني النضير وقال له : لا تهتموا بكلام عبد الله بن أبي ، إنه يريد أن يدفعكم لقتال محمد ويجلس في داره ويسلمكم للحوادث ، قال حي : نحن لا نعرف شيئا إلا العداء ل ( محمد ) والقتال له ، فأجابه سلام : أقسم بالله أني أراهم سيخرجوننا قريبا ويهدرون أموالنا وشرفنا وتؤسر أطفالنا ويقتل مقاتلونا ( 1 ) . وأخيرا تبين الآيات أعلاه نهاية المطاف لهذا المشهد . ويعتقد البعض أن هذه الآيات نزلت قبل قصة يهود بني النضير ، حيث تتحدث عن الحوادث المستقبلية لهذه الوقائع ، وبهذا اللحاظ فإنهم يعتبرونها إحدى المفردات الغيبية للقرآن الكريم . ورغم أن التعابير التي وردت في الآيات الكريمة كانت بصيغة المضارع وبذلك تؤيد وجهة النظر هذه ، إلا أن العلاقة بين هذه الآيات والآيات السابقة التي نزلت بعد اندحار بني النضير وإبعادهم عن المدينة ، تؤكد لنا أن هذه الآيات أيضا نزلت بعد هذا الحادث ، ولذا كان التعبير بصيغة المضارع بعنوان حكاية الحال . " فتدبر "
--> 1 - روح البيان ، ج 9 ، ص 439 ، وجاء نفس هذا المعنى باختلافات عديدة في تفسير الدر المنثور ، ج 6 ، ص 199 .