الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
193
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
أجزاء المكان ، وبعبارة أخرى يقال : ( بواء ) لترتيب وتسوية مكان ( ما ) ، هذا التعبير كناية لطيفة لهذا المعنى ، وهو أن طائفة الأنصار - أهل المدينة - قد هيأوا الأرضية المناسبة للهجرة ، وكما يخبرنا التاريخ فإن الأنصار قدموا مرتين إلى " العقبة " - وهي مضيق قرب مكة - وبايعوا رسول الله متنكرين ، ورجعوا إلى المدينة مبلغين ، ومعهم " مصعب بن عمير " ليعلمهم أمور دينهم وليهئ الأرضية المناسبة لهجرة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . وبناء على هذا فإن الأنصار لم يهيؤوا بيوتهم لاستقبال المهاجرين فحسب ، بل إنهم فتحوا قلوبهم ونفوسهم وأجواء مجتمعهم قدر المستطاع للتكيف في التعامل مع وضع الهجرة المرتقب . والتعبير من قبلهم يوضح لنا أن كل تلك الأمور كانت قبل هجرة مسلمي مكة ، وهذا أمر مهم . وانسجاما مع هذا التفسير ، فإن أنصار المدينة كانوا مستحقين لهذه الأموال ، وهذا لا يتنافى مع ما نقل عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنه أعطى شخصين أو ثلاثة أشخاص من الأنصار - فقط - من أموال بني النضير ، إذ من الممكن أن لا يكون بين الأنصار أشخاص فقراء ومساكين غير هؤلاء ، بعكس المهاجرين فإنهم إن لم يكونوا مصداقا للفقير ، فيمكن اعتبارهم مصداقا لأبناء السبيل ( 1 ) . ثم يتطرق سبحانه إلى بيان ثلاث صفات أخرى توضح روحية الأنصار بصورة عامة ، حيث يقول تعالى : يحبون من هاجر إليهم . فلا فرق بين المسلمين في وجهة نظرهم والمهم لديهم هو مسألة الإيمان والهجرة وهذا الحب كان يعتبر خصوصية مستمرة لهم . والأمر الآخر : ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أتوا فهم لا يطمعون
--> 1 - إلا أنه وطبقا لتفسير آخر فإن ( والذين تبوؤا الدار ) تكون مبتدأ ، و ( يحبون ) خبرها ، وإجمالا فإنها تشكل جملة مستقلة ، ولا ترتبط بالجملة السابقة التي تتحدث حول مصاريف الفئ ، إلا أن من الواضح أن التفسير الأول هو الأنسب .