الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

17

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

لقد ذكرت مسألة الخلقة في ( ستة أيام ) سبع مرات في القرآن الكريم ، المرة الأولى في الآية 54 من سورة الأعراف ، والأخيرة هي هذه الآية مورد البحث ( الحديد - الآية 4 ) . وكما قلنا سابقا فإن المقصود من ( اليوم ) في هذه الآيات ليس المعنى المتعارف ( لليوم ) ، بل المقصود هو ( الزمان ) سواء كان هذا الزمان قصيرا أو طويلا حتى لو بلغ ملايين السنين ، وهذا التعبير يستعمل أيضا في لغة العرب واللغات المختلفة ، كما يقال مثلا : اليوم يحكم فلان ، وغدا سيكون لغيره ، بمعنى الدورة الزمنية . وقد بينا هذا المعنى مع شرح وأمثلة في نهاية الآية 54 من سورة الأعراف . وطبيعي أنه لا يوجد أي مانع لله عز وجل من خلق جميع العالم في لحظة واحدة ، ولكن في هذه الحالة سوف لا تتجلى عظمة الله وقدرته وعلمه بشكل جيد ، وبعكس عظمة وقدرة وعلم الله بصورة أقل ، ذلك خلق هذه العوالم خلال ملياردات السنين وفي أزمنة وحالات مختلفة ووفقا لبرامج منظمة ومحسوبة سيدلل أكثر على قدرته وحكمته ، بالإضافة إلى أن التدرج في الخلق سيكون نموذجا للسير التكاملي للإنسان ، وعدم السرعة والاستعجال في الوصول إلى الأهداف المختلفة . ثم تتطرق الآيات إلى مسألة الحكومة وتدبير العالم حيث يقول سبحانه : ثم استوى على العرش . إن زمام حكومة وتدبير العالم كانت دائما بيده ولا زالت ، وبدون شك فإن الله تعالى ليس جسما ، ولذا فليس معنى " العرش " هنا هو عرش السلطة ، والتعبير كناية لطيفة عن الحاكمية المطلقة لله سبحانه ونفوذ تدبيره في عالم الوجود . " عرش " في اللغة بمعنى الشئ المسقوف ، وتطلق أحيانا للسقف نفسه ، ويعني أيضا التخوت العالية ( عرش السلاطين ) .