الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
167
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الملائكة والبشر والحيوانات والنباتات والجمادات يمكن أن يكون بلسان " القال " ويمكن أن يكون بلسان " حال " هذه المخلوقات حول دقة النظام المثير للعجب لها في خلق كل ذرة من ذرات هذا الوجود ، وهو التسليم المطلق لله سبحانه والاعتراف بعلمه وقدرته وعظمته وحكمته . ومن جهة أخرى فإن قسما من العلماء يعتقدون أن كل موجود في العالم له نصيب وقدر من العقل والإدراك والشعور ، بالرغم من أننا لم ندركه ولم نطلع عليه ، وبهذا الدليل فإن هذه المخلوقات تسبح بلسانها ، بالرغم من أن آذاننا ليس لها القدرة على سماعها ، والعالم بأجمعه منشغل بحمد الله وتسبيحه وإن كنا غير مطلعين على ذلك . الأولياء الذين فتحت لهم عين الغيب يتبادلون أسرار الوجود مع كل موجودات العالم ، ويسمعون نطق الماء والطين بصورة واضحة ، إذ أن هذا النطق محسوس من قبل أهل المعرفة . ( وهنالك شرح أكثر حول هذا الموضوع في تفسير الآية 44 من سورة الإسراء ) . وبعد بيان المقدمة أعلاه نستعرض أبعاد قصة يهود بني النضير في المدينة حيث يقول سبحانه : هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر . " حشر " في الأصل تحريك جماعة وإخراجها من مقرها إلى ميدان حرب وما إلى ذلك ، والمقصود منه هنا اجتماع وحركة المسلمين من المدينة إلى قلاع اليهود ، أو اجتماع اليهود لمحاربة المسلمين ، ولأن هذا أول اجتماع من نوعه فقد سمي في القرآن الكريم بأول الحشر ، وهذه بحد ذاتها إشارة لطيفة إلى بداية المواجهة المقبلة مع يهود بني النضير ويهود خيبر وأمثالهم . والعجيب أن جمعا من المفسرين ذكروا احتمالات للآية لا تتناسب أبدا مع محتواها ، ومن جملتها أن المقصود بالحشر الأول ما يقع مقابل حشر يوم القيامة ،