الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
137
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
والتهذيب الفكري والاجتماعي للمسلمين . ولكن لو كان التصدق قبل النجوى واجبا على الجميع ، فإن الفقراء عندئذ سيحرمون من طرح المسائل المهمة كاحتياجاتهم ومشاكلهم أمام الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فلذا جاء في ذيل الآية إسقاط هذا الحكم عن المجموعة المستضعفة مما مكنهم من مناجاة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والتحدث معه فإن لم تجدوا فان الله غفور رحيم . وبهذه الصورة فإن دفع الصدقة قبل النجوى كان واجبا على الأغنياء دون غيرهم . والطريف هنا أن للحكم أعلاه تأثيرا عجيبا وامتحانا رائعا أفرزه على صعيد الواقع من قبل المسلمين في ذلك الوقت ، حيث امتنع الجميع من إعطاء الصدقة إلا شخص واحد ، ذلك هو الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وهنا اتضح ما كان يجب أن يتضح ، وأخذ المسلمون درسا في ذلك ، لذا نزلت الآية اللاحقة ونسخت الحكم حيث يقول سبحانه : أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات . حيث اتضح أن حب المال كان في قلوبكم أحب من نجواكم للرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) واتضح أيضا أن هذه النجوى لم تكن تطرح فيها مسائل أساسية ، وإلا فما المانع من أن تقدم هذه المجموعة صدقة قبل النجوى ، خاصة أن الآية لم تحدد مقدار الصدقة فبإمكانهم دفع مبلغ زهيد من المال لحل هذه المشكلة ! ! ثم يضيف تعالى : فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون . ويعكس لنا التعبير ب ( التوبة ) أنهم في نجواهم السابقة كانوا قد ارتكبوا ذنوبا ، سواء في التظاهر والرياء ، أو أذى الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أو أذى المؤمنين الفقراء . وبالرغم من عدم التصريح بجواز النجوى في هذه الآية بعد هذا الحادث ، إلا أن تعبير الآية يوضح لنا أن الحكم السابق قد رفع . أما الدعوة لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإطاعة الله ورسوله فقد أكد عليها