الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
130
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
والشئ الملاحظ أن القرآن الكريم ، الذي هو بمثابة دستور لجميع المسلمين لم يهمل حتى هذه المسائل الجزئية الأخلاقية في الحياة الاجتماعية للمسلمين ، بل أشار إليها بما يناسبها ضمن التعليمات الأساسية ، حتى لا يظن المسلمون أنه يكفيهم الالتزام بالمبادئ الكلية . جملة يفسح الله لكم فسرها بعض المفسرين بتوسع المجالس في الجنة ، وهو ثواب يعطيه الله تعالى للأشخاص الذين يراعون هذه الآداب في عالم الدنيا ، ويلتزمون بها ، وبلحاظ كون الآية مطلقة وليس فيها قيد أو شرط فإن لها مفهوما واسعا ، وتشمل كل سعة إلهية ، سواء كانت في الجنة أو في الدنيا أو في الروح والفكر أو في العمر والحياة ، أو في المال والرزق ، ولا عجب من فضل الله تعالى أن يجازي على هذا العمل الصغير بمثل هذا الأجر الكبير ، لأن الأجر بقدر كرمه ولطفه لا بقدر أعمالنا . وبما أن المجالس تكون مزدحمة أحيانا بحيث أنه يتعذر الدخول إلى المجلس في حالة عدم التفسح أو القيام ، وإذا وجد مكان فإنه غير متناسب مع مقام القادمين واستمرارا لهذا البحث يقول تعالى : وإذا قيل انشزوا فانشزوا ( 1 ) أي إذا قيل لكم قوموا فقوموا . ولا ينبغي أن تضجروا أو تسأموا من الوقوف ، لأن القادمين أحيانا يكونون أحوج إلى الجلوس من الجالسين في المجلس ، وذلك لشدة التعب أو الكهولة أو للاحترام الخاص لهم ، وأسباب أخرى . وهنا يجب أن يؤثر الحاضرون على أنفسهم ويتقيدوا بهذا الأدب الإسلامي ، كما مر بنا في سبب نزول الآية ، حيث كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد أمر المجموعة التي
--> 1 - " انشزوا " من مادة ( نشز ) على وزن ( نصر ) مأخوذة من معنى الأرض العالية ، لذلك استعمل بمعنى القيام ، و " المرأة الناشزة " تطلق على كل من تعتبر نفسها أعلى من أن تطيع أمر زوجها ، واستعمل هذا المصطلح أحيانا بمعنى الإحياء ، لأن هذا الأمر سبب للقيام من القبور .