الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
116
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ومع ذلك فإن خالفوا ، فلابد من أن يجازوا ، ليس في هذه الدنيا فحسب ، بل في القيامة : وللكافرين عذاب مهين . وبهذه الصورة فقد أشير إلى عذابهم الدنيوي في الجملة السابقة ، وفي هذه الجملة إلى العذاب الأخروي ، والشاهد على هذا المعنى في الآية الكريمة التالية : كما كبت الذين من قبلهم كما أن الآية اللاحقة تؤكد هذا المعنى أيضا . وعلى كل حال فإن هذا التهديد الإلهي للأشخاص الذين يقفون بوجه الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والقرآن الكريم قد تحقق ، حيث واجهوا الذلة والانكسار في غزوة بدر وخيبر والخندق وغير ذلك ، وأخيرا في فتح مكة حيث كسرت شوكتهم وأحبط كيدهم بانتصار الإسلام في كل مكان . والآية اللاحقة تتحدث عن استعراض زمان وقوع العذاب الأخروي عليهم حيث يقول عز وجل : يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا ( 1 ) نعم أحصاه الله ونسوه . ولذا فعندما تقدم لهم صحيفة أعمالهم يصرخون : ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ( 2 ) . وهذا بحد ذاته عذاب مؤلم ، لأن الله تعالى يذكرهم بذنوبهم المنسية ويفضحهم في مشهد الحشر أمام الخلائق . وفي نهاية الآية يقول البارئ سبحانه : والله على كل شئ شهيد . وهذه في الحقيقة بمثابة الدليل على ما ورد في الجملة السابقة ، فان حضور الله سبحانه في كل مكان وفي كل زمان وفي الداخل والخارج ، يوجب ألا يحصي أعمالنا - فقط - بل نياتنا وعقائدنا ، وفي ذلك اليوم الكبير الذي هو " يوم البروز "
--> 1 - يوم ظرف ومتعلق بالكافرين أو بالمهيمن ، والاحتمال الأول أنسب ، واختاره كثير من المفسرين . واحتمال البعض ان المتعلق مقدر بمعنى ( أذكر ) مستبعد . 2 - الكهف ، الآية 49 .