الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
78
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
فيكون المعنى بناء على هذا أنهم ابتدوا من مرحلة السهو ، ثم انساقوا إلى مرحلة الغفلة ، ولما استمروا وواصلوا في هذا الطريق غرقوا في الجهل تماما ، والجمع بين هذين التعبيرين " السهو " و " الغمرة " في هذه الآية لعله إشارة إلى بداية هذه الحركة ونهايتها . فعلى هذا يكون المراد من كلمة " الخراصون " هم الغارقون في جهلهم وكل يوم يتذرعون بحجة واهية فرارا من الحق . ولذلك فهم دائما : يسألون أيان يوم الدين . جملة " يسألون " والفعل للمضارع يدل على أنهم يثيرون هذا السؤال أيان يوم الدين ؟ ! باستمرار . . . على أنه ينبغي أن يكون يوم القيامة وموعده مخفيا . ليحتمل كل أحد أنه محتمل الوقوع في كل أي زمان ، ويحصل منه الأثر التربوي للإيمان بيوم القيامة الذي هو بناء الشخصية والاستعداد الدائم . وهذا الكلام يشبه تماما كلام المريض إذ يسأل طبيبه مثلا : متى يكون آخر عمري ويكرر عليه السؤال باستمرار ، فكل أحد يعد هذا السؤال هذرا ويقول : المهم أن تعرف أن الموت حق لتعالج نفسك ولئلا تبتلى بالموت السريع . إلا أنهم لم يكن لهم من هدف سوى الاستهزاء أو التذرع بالحجج الواهية ولم يكن سؤالهم عن تاريخ يوم القيامة وزمانه بحق ! إلا أنه ومع هذه الحال فإن القرآن يرد عليهم مجيبا بلغة شديدة ويعنفهم يوم هم على النار يفتنون . وعندئذ يقال لهم هنالك : ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون والفتنة في الأصل اختبار الذهب في موقد النار ليمتاز الخالص من غيره ، ومن هنا فقد استعملت " الفتنة " على أي نوع كان من أنواع الامتحان أو الاختبار ، كما استعملت على دخول الإنسان النار ، كما تستعمل في البلاء والعذاب وعدم الراحة كما تشير إليه الآية محل البحث هنا . * * *