الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

410

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ويخاطب سبحانه هاتين المجموعتين " الجن والإنس " بقوله : فبأي آلاء ربكما تكذبان . والتهديد هنا لطف إلهي أيضا ، فالبرغم من أنه يحمل تهديدا ظاهريا ، إلا أنه عامل للتنبيه والإصلاح والتربية ، حيث أن وجود المحاسبة في كل نظام هو نعمة كبيرة . وما ورد في الآية اللاحقة تأكيد لما تقدم ذكره في الآيات السابقة ، والذي يتعلق بعدم قدرة الجن والإنس من الفرار من يد العدالة الإلهية حيث يقول سبحانه : يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران . " شواظ " كما ذكر الراغب في المفردات ، وابن منظور في لسان العرب ، وكثير من المفسرين أنه بمعنى ( الشعلة العديمة الدخان ) وفسرها آخرون بأنها ( ألسنة النار ) التي تقتطع من النار نفسها حسب الظاهر ، وتكون خضراء اللون . وعلى كل حال فإن هذا التعبير يشير إلى شدة حرارة النار . و " نحاس " بمعنى الدخان أو ( الشعل ذات اللون الأحمر مصحوبة بالدخان ) والتي تكون بلون النحاس ، وفسرها البعض بأنها ( النحاس المذاب ) وهي لا تتناسب في الظاهر مع ما ورد في الآية مورد البحث ، لأنها تتحدث عن موجود يحيط بالإنسان في يوم القيامة ويمنعه من الفرار من حكومة العدل الإلهي . وكم هي عجيبة ( محكمة القيامة ) حين يحاط الإنسان إحاطة تامة بالملائكة والنار الحارقة والدخان القاتل ، ولا مناص إلا التسليم لحكم الواحد الأحد في ذلك اليوم الرهيب . ثم يضيف سبحانه قوله : فبأي آلاء ربكما تكذبان . والكلام هنا عن النعم والآلاء من أجل ما ذكرنا من اللطف في الآية السابقة . * * *