الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

364

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وهنا يطرح التساؤل التالي : من الذي علمه الله سبحانه القرآن الكريم . ذكر المفسرون في ذلك تفسيرات عديدة ، فبعضهم قال : إن الله علم القرآن لجبرئيل والملائكة ، وقال آخرون : إن الله سبحانه علمه للرسول ، وذكر ثالث : أنه علم للإنس والجن . ولكون هذه السورة تبين الرحمة الإلهية للإنس والجن ولذا أكد سبحانه إقرارهم بنعمه إحدى وثلاثين مرة ، وذلك بقوله : فبأي آلاء ربكما تكذبان لهذا فإن التفسير الأخير هو الأنسب ، أي أن الله علم القرآن للإنس والجن بواسطة نبيه الكريم محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ( 1 ) . وبعد ذكره سبحانه لنعمة القرآن التي لا مثيل لها ينتقل إلى أهم نعمة في الترتيب المذكور ويقول : خلق الإنسان . من الطبيعي أن المقصود هنا هو نوع الإنسان وليس آدم ( عليه السلام ) فقط ، حيث سيتحدث عنه سبحانه في الآيات اللاحقة بصورة مستقلة ، كما أنه ليس المقصود بذلك النبي محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مع العلم أن الرسول محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هو أفضل وأعلى مصداق للإنسان . وإطلاق كلمة ( البيان ) التي تأتي بعد خلق الإنسان دليل آخر على عمومية كلمة الإنسان ، وبناء على هذا فإن التفاسير الأخرى التي ذكرت لم تكن صحيحة . والحقيقة أن خلق الإنسان هذا الكائن الذي تتجمع فيه كل عجائب الوجود ، هذا الموجود الذي هو خلاصة الموجودات الأخرى ، هذا العالم الصغير الذي اندرج فيه العالم الكبير ، لهو نعمة منقطعة النظير حيث إن كل بعد من أبعاد وجوده المختلفة نعمة كبيرة .

--> 1 - اختلف المفسرون حول أن المفعول الأول ل‍ ( علم ) هو المحذوف ، أو أن المحذوف هو المفعول الثاني ، والأنسب أن المفعول الأول هو المحذوف حيث في التقدير يكون : ( علم الإنس والجن القرآن ) . كما يحتمل البعض أن ( علم ) لم تأخذ أكثر من مفعول واحد بمعنى موضع العلاقة وهذا مستبعد جدا .