الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

311

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

نوح وأصحابه إلى مجموعة من المسامير وقطع من الخشب ، وأنها أدت هذه الوظيفة على أحسن وجه ، وهكذا تتجلى القدرة الإلهية العظيمة . ويمكن أن يستفاد من هذا التعبير طبيعة البساطة التي كانت عليها سفن ذلك الزمان والتي هي بعيدة عن التعقيد والتكلف قياسا مع السفن المتقدمة في العصور اللاحقة . ومع ذلك فإن سفينة نوح ( عليه السلام ) كان حجمها بالقدر المطلوب وطبق الحاجة ، وطبقا للتواريخ فإن نوح ( عليه السلام ) قد أمضى عدة سنين في صنعها كي يتمكن من وضع ( من كل زوجين اثنين ) من مختلف الحيوانات فيها . ويشير سبحانه إلى لطف عنايته للسفينة المخصصة لنجاة نوح ( عليه السلام ) حيث يقول سبحانه تجري بأعيننا أي أن هذه السفينة تسير بالعلم والمشيئة الإلهية ، وتشق الأمواج العالية بقوة وتستمر في حركتها تحت رعايتنا وحفظنا . إن التعبير ( بأعيننا ) كناية ظريفة للدلالة على المراقبة والرعاية للشئ ويتجسد هذا المعنى بوضوح في قوله تعالى في الآية ( 37 ) من سورة هود : واصنع الفلك بأعيننا ووحينا . بعض المفسرين ذهبوا إلى أن المقصود من تجري بأعيننا هو الإشارة إلى الشخصيات المهمة التي كانت على ظهر السفينة ، وبناء على هذا فإن المقصود من قوله تعالى : تجري بأعيننا ( 1 ) أن تلك السفينة كانت تحمل عباد الله الخالصين المخلصين ، ونظرا لطبيعة الموارد التي استعمل فيها هذا التعبير في الآيات القرآنية الأخرى فإن الرأي الأول هو الأصح . ويحتمل أيضا أن المراد بجملة ( بأعيننا ) هو الملائكة التي كان لها الأثر في هداية سفينة نوح ( عليه السلام ) ، ولكن هذا الرأي ضعيف أيضا لسبب أعلاه . ثم يضيف تعالى : جزاء لمن كان كفر ( 2 ) .

--> 1 - " أعين " جمع عين ، وإحدى معانيها العين الباصرة ، والمعنى الآخر لها هو : الشخصية المعتبرة . ولها معان أخرى . 2 - يجدر بالملاحظة هنا أن فعل ( كفر ) مبني للمجهول ، والمراد به نوح ( عليه السلام ) الذي كفر به ، وليس فعلا معلوما يشير إلى الكفار .