الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

292

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وهنالك بعض المفسرين من فسر " مستمر " بمعنى " قوي " كما قالوا : ( حبل مرير ) أي : محكم ، والبعض فسرها بمعنى : الطارئ وغير الثابت ، ولكن التفسير الأنسب هو التفسير الأول . أما قوله تعالى : وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر فإنه يشير إلى سبب مخالفتهم وعنادهم وسوء العاقبة التي تنتظرهم نتيجة لهذا الإصرار . إن مصدر خلاف هؤلاء وتكذيبهم للرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أو تكذيب معاجزه ودلائله ، وكذلك تكذيب يوم القيامة ، هو اتباع هوى النفس . إن حالة التعصب والعناد وحب الذات لم تسمح لهم بالاستسلام للحق ، ومن جهة أخرى فإن المشركين ركنوا للملذات الرخيصة بعيدا عن ضوابط المسؤولية ، وذلك إشباعا لرغباتهم وشهواتهم ، وكذلك فإن تلوث نفوسهم بالآثام حال دون استجابتهم لدعوة الحق ، لأن قبول هذه الدعوة يفرض عليهم التزامات ومسؤوليات الإيمان والاستجابة للتكاليف . . . نعم إن هوى النفس كان وسيبقى السبب الرئيسي في إبعاد الناس عن مسير الحق . . . وبالنسبة لقوله تعالى : وكل أمر مستقر ، يعني أن كل إنسان يجازى بعمله وفعله ، فالصالحون سيكون مستقرهم صالحا ، والأشرار سيكون مستقرهم الشر . ويحتمل أن يكون المراد في هذا التعبير هو أن كل شئ في هذا العالم لا يفنى ولا يزول ، فالأعمال الصالحة أو السيئة تبقى مع الإنسان حتى يرى جزاء ما فعل . ويحتمل أن يكون تفسير الآية السابقة أن الأكاذيب والاتهامات لا تقوى على الاستمرار الأبدي في إطفاء نور الحق والتكتم عليه ، حيث إن كل شئ ( خير أو شر ) يسير بالاتجاه الذي يصب في المكان الملائم له ، حيث إن الحق سيظهر وجهه الناصح مهما حاول المغرضون إطفاءه ، كما أن وجه الباطل القبيح سيظهر قبحه كذلك ، وهذه سنة إلهية في عالم الوجود .