الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

215

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

5 - صحيح أن جبرئيل ملك له مقام رفيع ، إلا أنه من المقطوع به أن مقام النبي أعلى منه شأنا : كما ورد في قصة المعراج أنه كان يصعد - في المعراج - مع النبي فوصلا إلى نقطة فتوقف جبرئيل عن الصعود وقال للنبي : " لو دنوت قيد أنملة لاحترقت " إلا أن النبي واصل سيره وصعوده ! . فمع هذه الحال فإن رؤية جبرئيل في صورته الأصلية لا تتناسب والأهمية المذكورة في هذه الآيات ، وبتعبير أكثر بساطة : لم تكن رؤية النبي لجبرئيل على تلك الأهمية . . فمع أن هذه الآيات اهتمت بهذه الرؤية اهتماما بالغا ! 6 - جملة : ما كذب الفؤاد ما رأى هي أيضا دليل على الرؤية القلبية لا البصرية الحسية لجبرئيل . 7 - ثم بعد هذا كله فما ورد من الروايات عن أهل البيت لا يفسر هذه الآيات بأنها في رؤية النبي لجبرئيل ، بل الروايات موافقة للتفسير الثاني القائل بأن المراد من هذه الآيات الرؤية الباطنية ( القلبية ) لذات الله المقدسة التي تجلت للرسول وتكررت في المعراج واهتز لها النبي وهالته ( 1 ) . ينقل الشيخ الطوسي في أماليه عن ابن عباس عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنه قال : " لما عرج بي إلى السماء دنوت من ربي عز وجل حتى كان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى " ( 2 ) . وينقل الشيخ الصدوق ( رحمه الله ) في علل الشرائع المضمون ذاته عن هشام بن الحكم عن الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) من حديث طويل أنه قال : " فلما أسري بالنبي وكان من ربه كقاب قوسين أو أدنى رفع له حجاب من حجبه " ( 3 ) .

--> 1 - في دعاء الندبة تعبير يناسب هذا المعنى أيضا إذ يقول : يا ابن من دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى دنوا واقترابا من الملأ الأعلى وفي ذيل هذا الدعاء ورد بعض ألقاب الله " شديد القوى " إذ يقول : وأره سيده يا شديد القوى . . 2 - نور الثقلين ، ج 5 ، ص 149 . 3 - المصدر السابق .