الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

116

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

مما جعلت كل شئ رميما . أجل ، هذه قدرة الله التي تدمر القوم الجبارين بسرعة الريح المذهلة فلا تبقي منهم ومن ضجيجهم وصخبهم وغرورهم إلا أجسادا تحولت رميما . وهكذا أشارت الآية آنفة الذكر إشارة عابرة عن عاقبة قوم " عاد " الأثرياء الأقوياء الذين كانوا يقطنون الأحقاف وهي منطقة " ما بين عمان وحضرموت " . ثم تصل النوبة إلى ثمود قوم صالح إذ أمهلهم الله قليلا ليتلقوا العذاب بعد ذلك . . فيقول الله فيهم : وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين . والمراد ب‍ حتى حين هو الأيام الثلاثة المشار إليها في الآية ( 65 ) من سورة هود إمهالا لهم : فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب . ومع أن الله قد أنذرهم بواسطة نبيهم " صالح " ( عليه السلام ) مرارا . . إلا أنه إتماما للحجة أمهلهم ثلاثة أيام فلعلهم يتداركون ما فرطوا في ماضيهم الأسود ويغسلوا صدأ الذنوب - بماء التوبة - عن قلوبهم وأرواحهم . بل كما يقول بعض المفسرين : ظهرت خلال الأيام الثلاثة بعض التغيرات في أبدانهم إذ صارت صفرا ثم حمرا ثم تحولت سودا . . لتكون نذيرا لهؤلاء القوم المعاندين ، إلا أنهم وللأسف لم يؤثر فيهم أي شئ من هذه الأمور ولم ينزلوا عن مركب غرورهم . أجل : فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون . كلمة " عتوا " مشتقة من العتو - على وزن غلو - ومعناه الإعراض " بالوجه " ، والانصراف عن طاعة الله ، والظاهر أن هذه الجملة إشارة إلى ما كان منهم من إعراض طوال الفترة التي دعاهم فيها نبيهم صالح كالشرك وعبادة الأوثان والظلم وعقرهم الناقة التي كانت معجزة نبيهم ، لا الإعراض الذي كان منهم خلال الأيام الثلاثة فحسب ، وبدلا من أن يتوبوا وينيبوا غرقوا في غرورهم وغفلتهم .