الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
39
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
عقبه لعلهم يرجعون ( 1 ) . والطريف أن كل الأديان التي تتحدث عن التوحيد اليوم تستلهم دعوتها وأفكارها من تعليمات إبراهيم ( عليه السلام ) التوحيدية ، وأن ثلاثة من أنبياء الله العظام - وهم موسى ( عليه السلام ) وعيسى ( عليه السلام ) ومحمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) - من ذريته ، وهذا دليل على صدق تنبؤ القرآن في هذا الباب . صحيح أن أنبياء آخرين قبل إبراهيم ( عليه السلام ) - كنوح ( عليه السلام ) - قد حاربوا الشرك والوثنية ، ودعوا البشر إلى التوحيد ، إلا أن الذي منح هذه الكلمة الاستقرار والثبات ، ورفع رايتها في كل مكان ، كان إبراهيم ( عليه السلام ) محطم الأصنام . فهو ( عليه السلام ) لم يسع لاستمرار خط التوحيد في زمانه وحسب ، بل إنه طلب استمرار هذا الأمر من الله سبحانه في أدعيته إذ قال : واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ( 2 ) . ثمة تفسير آخر ، وهو : إن الضمير في ( جعل ) يعود إلى الله سبحانه ، فيكون معنى الجملة : إن الله سبحانه قد جعل كلمة التوحيد في أسرة إبراهيم . غير أن رجوع الضمير إلى إبراهيم ( عليه السلام ) - وهو التفسير الأول يبدو أنسب ، لأن الجمل السابقة تتحدث عن إبراهيم ، ومن المناسب أن يكون هذا الجزء من جملة أعمال إبراهيم ، خاصة وأنه قد أكد على هذا المعنى في آيات عديدة من القرآن الكريم ، وإن إبراهيم كان مصرا على أن يبقى بنوه وعقبه على دين الله ، كما نقرأ في الآيتين ( 131 ) ، ( 132 ) من سورة البقرة : إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين * ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون . والتصور بأن ( جعل ) يعني الخلق ، وأنه مختص بالله سبحانه ، تصور خاطئ ، لأن ( الجعل ) يطلق على أعمال البشر وغيرهم أيضا ، وفي القرآن نماذج كثيرة
--> 1 - " العقب " في الأصل بمعنى كعب القدم ، إلا أن هذه الجملة استعملت فيما بعد في الأولاد وأولاد الأولاد بصورة واسعة . 2 - إبراهيم ، الآية 35 .