الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

35

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

السكارى والمغرورين ، لأن ( المترف ) من مادة ( الترفه ) أي كثرة النعمة ، ولما كان كثير من المنعمين يغرقون في الشهوات والأهواء ، فإن كلمة " المترف " تعني من طغى بالنعمة وغرق في سكرتها وأصبح مغرورا ( 1 ) ، ومصداق ذلك - على الأغلب - الملوك والجبابرة والأثرياء المستكبرون والأنانيون . نعم ، هؤلاء هم الذين تتعرض مصالحهم وأنانياتهم للفناء بثورة الأنبياء ، ويحدق الخطر بمنافعهم وثرواتهم اللا مشروعة ، ويتحرر المستضعفون من مخالبهم ، ولهذا كانوا يسعون إلى تخدير الناس وإبقائهم جهلاء بمختلف الأساليب والحيل . وأغلب فساد الدنيا ينبع من هؤلاء المترفين الذين يتواجدون في أماكن الظلم والتعدي والمعصية والفساد والرذيلة . وجدير بالذكر ، أننا قرأنا في الآية السابقة أن هؤلاء كانوا يقولون : إنا على آثارهم مهتدون وهنا يذكر القرآن أنهم يقولون : وإنا على آثارهم مقتدون وبالرغم من أن التعبيرين يعودان إلى معنى واحد في الحقيقة ، إلا أن التعبير الأول إشارة إلى دعوى أحقية مذهب الآباء ، والتعبير الثاني إشارة إلى إصرار هؤلاء وثباتهم على اتباع الآباء والاقتداء بهم . وعلى أية حال فإن هذه الآية نوع من التسلية لخاطر النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والمؤمنين ليعلموا أن ذرائع المشركين واستدلالاتهم هذه ليست بالشئ الجديد ، إذ أن هذا الطريق سلكه كل المنحرفين الضالين على مر التأريخ . وتبين الآية التالية جواب الأنبياء السابقين على حجج هؤلاء المشركين والمنحرفين بوضوح تام ، فتقول : قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم ( 2 ) ؟

--> 1 - نقرأ في لسان العرب : أترفته النعمة ، أي : أطغته . 2 - لهذه الجملة محذوف تقديره : أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم . تفسير الكشاف المراغي ، القرطبي ، وروح المعاني .