الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
33
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الأنبياء والكتب السماوية إلى التوحيد . وأشارت آخر آية - من هذه الآيات - إلى ذريعتهم الأصلية ، وهي في الواقع خرافة لا أكثر ، أصبحت أساسا لخرافة أخرى ، فتقول : بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون . لم يكن لهؤلاء دليل إلا التقليد الأعمى للآباء والأجداد ، والعجيب أنهم كانوا يظنون أنهم مهتدون بهذا التقليد ، في حين لا يستطيع أي إنسان عاقل حر أن يستند إلى التقليد في المسائل العقائدية والأساسية التي يقوم عليها بناؤه الفكري ، خاصة إذا كان التقليد تقليد " جاهل لجاهل " ، لأنا نعلم أن آباء أولئك المشركين لم يكن لهم أدنى حظ من العلم ، وكانت أدمغتهم مليئة بالخرافات والأوهام ، وكان الجهل حاكما على أفكارهم ومجتمعاتهم ، كما توضح ذلك الآية ( 170 ) من سورة البقرة : أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ؟ التقليد يصح في المسائل الفرعية وغير الأساسية فقط ، وأيضا يجب أن يكون تقليدا لعالم ، أي رجوع الجاهل إلى العالم ، كما يرجع المريض إلى الطبيب ، وغير المتخصصين إلى أصحاب الاختصاص ، وبناء على هذا فإن تقليد هؤلاء كان باطلا بدليلين . لفظة " الأمة " تطلق - كما يقول الراغب في المفردات - على الجماعة التي تربط بعضها مع البعض الآخر روابط ، إما من جهة الدين ، أو وحدة المكان ، أو الزمان ، سواء كانت حلقة الاتصال تلك اختيارية أم إجبارية . ومن هنا استعملت هذه الكلمة أحيانا بمعنى المذهب ، كما هو الحال في الآية مورد البحث ، إلا أن معناها الأصلي هو الجماعة والقوم ، وإطلاق هذه الكلمة على الدين يحتاج إلى قرينة ( 1 ) . * * *
--> 1 - في جملة إنا على آثارهم مهتدون مهتدون خبر ( إن ) و " على آثارهم " متعلق به ، وأما ما احتمله البعض من أن " على آثارهم " خبر أول ، و ( مهتدون ) خبر ثان ، فيبدو بعيدا عن الصواب .