الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

18

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الأرض مهدا . إن لفظتي " المهد " و " المهاد " تعني المحل الذي أعد للجلوس والنوم والاستراحة ، ويقال في الأصل للمكان الذي يضعون فيه الطفل لينام " مهد " . أجل . . إن الله سبحانه جعل الأرض مهدا للإنسان ، ومع أن لها عدة حركات بفعل قانون الجاذبية ، ورغم الطبقة الغازية العظيمة التي أحاطت بها من كل جانب ، فإنها هادئة ومستقرة بحيث لا يشعر ساكنوها بأي إزعاج ونعلم أن الهدوء النفسي هو الدعامة الأساسية للاستفادة من النعم الأخرى والتنعم بها ، ولا شك أن هذه العوامل المختلفة ما لم تنسجم مع بعضها ، ويكمل بعضها بعضا ، فليس بالإمكان تحقق هذا الهدوء والاطمئنان مطلقا . ثم يضيف سبحانه لتبيان النعمة الثانية : وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون . لقد أشير إلى هذه النعمة عدة مرات في القرآن المجيد ( سورة طه - 53 ، الأنبياء - 31 ، النحل - 15 وغيرهن ) ، وهي من النعم التي غفل عنها الكثيرون ، لأنا نعلم أن التظاريس تعم كل اليابسة تقريبا ، وفيها الجبال العظيمة والصغيرة والتلال والهضاب ، والبديع أن توجد بين أعظم سلال جبال العالم فواصل يستطيع الإنسان أن يشق طريقه من خلالها ، وقلما اتفق أن تكون هذه الجبال سببا لانفصال أقسام الكرة الأرضية عن بعضها تماما ، وهذا واحد من أسرار نظام الخلقة ، ومن مواهب الله سبحانه وعطاياه للعباد . وإضافة إلى ما مر ، فإن كثيرا من أجزاء الكرة الأرضية ترتبط مع بعضها بواسطة طرق المواصلات البحرية ، وهذا يدخل أيضا في عموم معنى الآية ( 1 ) . واتضح مما قلناه أن المراد من جملة لعلكم تهتدون هو الهداية إلى الهدف ، واكتشاف مناطق الأرض المختلفة ، بالرغم من أن البعض اعتبرها إشارة إلى

--> 1 - كلمة " السبل " - جمع سبيل - تطلق على الطرق البرية والبحرية ، كما نقرأ في الفقرة ( 42 ) من دعاء الجوشن " يا من في البر والبحر سبيله " .