الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

11

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

بداية آل عمران ، أول الأعراف ، بداية سورة " فصلت " في خصوص حم ) . ويقسم تعالى بالقرآن الكريم في الآية الثانية ، فيقول : والكتاب المبين . قسما بهذا الكتاب الواضحة حقائقه ، والبينة معانيه ومفاهيمه ، والظاهرة دلائل صدقه ، والمبينة طرق هدايته ورشاده . ثم يضيف : إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ( 1 ) . إن كون القرآن عربيا ، إما بمعنى أنه نزل بلغة العرب التي هي أوسع لغات العالم في بيان الحقائق ، وقادرة على تبيان دقائق المطالب بكل جمال ودقة في التعبير . أو بمعنى فصاحته - لأن أحد معاني كلمة ( عربي ) هو " الفصيح " وهي إشارة إلى أنا قد جعلناه في منتهى الفصاحة وغايتها ، لتظهر الحقائق جيدا من خلال كلماته وجمله ، ويدركها الجميع جيدا . والطريف أن القسم وجوابه - هنا - شئ واحد ، فهو تعالى يقسم بالقرآن أنه جعل القرآن عربيا ليستفيد الجميع منه ويعقلوا آياته ، وربما كان هذا إشارة إلى أنه لم يكن هناك شئ أجل من القرآن ليقسم به ، فإن ما هو أسمى من القرآن نفس القرآن ، لأنه كلام الله سبحانه ، وكلام الله مبين لذاته المقدسة . ولا يدل التعبير ب‍ ( لعل ) على أن الله سبحانه يشك في تأثير القرآن ، أو أن الكلام هنا عن الرجاء والأمل الذي يصعب الوصول إليه وتحققه ، بل إنه يشير إلى تفاوت الأرضيات الفكرية والأخلاقية لسامعي آيات القرآن الكريم ، ويشير أيضا إلى أن تأثير القرآن يستلزم توفر شروطا معينة أشير إليها إجمالا بكلمة ( لعل ) . وقد أوردنا تفصيلا أكثر لهذا المعنى في ذيل الآية ( 200 ) من آل عمران . ثم يتطرق القرآن إلى بيان ثلاث صفات أخرى لهذا الكتاب السماوي ، فيقول : وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم ويشير في الصفة الأولى إلى أن القرآن الكريم قد حفظ وأثبت في أم الكتاب لدى الله سبحانه ، كما نقرأ ذلك أيضا في

--> 1 - الواو في ( والكتاب المبين ) للقسم ، وجواب هذا القسم جملة ( إنا جعلناه قرآنا عربيا ) .