ابن شعبة الحراني
78
تحف العقول عن آل الرسول ( ص )
ويسر لا ينال إلا بعسر ( 1 ) . وإياك أن توجف بك مطايا الطمع ( 2 ) فتوردك مناهل الهلكة . وإن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل ، فإنك مدرك قسمك وآخذ سهمك . وإن اليسير من الله تبارك وتعالى أكثر وأعظم من الكثير من خلقه وإن كان كل منه . ولو نظرت - ولله المثل الاعلى - فيما تطلب من الملوك ومن دونهم من السفلة لعرفت أن لك في يسير ما تصيب من الملوك افتخارا ، وأن عليك في كثير ما تصيب من الدناة عارا . ( 3 ) فاقتصد في أمرك تحمد مغبة عملك ( 4 ) . إنك لست بائعا شيئا من دينك وعرضك بثمن . والمغبون من غبن نصيبه من الله ، فخذ من الدنيا ما أتاك واترك ما تولى ، فإن أنت لم تفعل فأجمل في الطلب . وإياك ومقاربة من رهبته على دينك وباعد السلطان ولا تأمن خدع الشيطان ( 5 ) وتقول : متى أرى ما أنكر نزعت ، فإنه كذا هلك من كان قبلك من أهل القبلة وقد أيقنوا بالمعاد ، فلو سمعت بعضهم بيع آخرته بالدنيا لم يطب بذلك نفسا ( 6 ) ، ثم قد يتخبله الشيطان بخدعه ومكره حتى يورطه في هلكته بعرض من الدنيا حقير ( 7 )
--> ( 1 ) إن الذي لا ينال إلا بشر لا يكون خيرا بل يكون شرا لان طريقه شرا فكيف يكون هو خيرا وهكذا مالا ينال إلا بعسر لا يكون يسرا وقيل : " إن العسر الذي يخشاه الانسان هو ما يضطره لرذيل الفعال فهو يسعى كل جهده ليتحامى الوقوع فيه ، فان جعل الرذائل وسيلة لكسب اليسر أي السعة فقد وقع أول الأمر فيما يهرب منه ، فما الفائدة في يسره وهو لا يحميه من النقيصة . ( 2 ) توجف : تسرع سيرا سريعا . والمطايا جمع المطية : وهي الدابة التي تركب . والمناهل جمع المنهل : موضع الشرب على الطريق وما ترده الإبل ونحوها للشرب . ( 3 ) الدناة : جمع الداني أو الدنى وهو الخسيس . ( 4 ) المغبة : عاقبة الشئ . ( 5 ) الخدع جمع الخدعة . ( 6 ) " فلو سمت " أي فلو عرضت للبيع ، من سام السلعة يسوم أي عرضها وذكر ثمنها . والمعنى أنك لو عرضت ببعضهم بأن يبيع آخرته بالدنيا لم يرض بذلك ولم يطب نفسه بهذه التجارة . ( 7 ) يورطه : يلقاه في الورطة ويوقعه فيما لا خلاص له منه وقوله : " بعرض من الدنيا " أي بحطام من الدنيا ومتاعها . يعنى إن الشيطان ما زال يسول له بشئ حقير من متاع الدنيا حتى يئس من رحمة الله ويخرجه منها فينجر الامر في متابعته إلى ما خالف الاسلام .