ابن شعبة الحراني
76
تحف العقول عن آل الرسول ( ص )
واعلم أنك خلقت للآخرة لا للدنيا وللفناء لا للبقاء وللموت لا للحياة وأنك في منزل قلعة ودار بلغة ( 1 ) وطريق إلى الآخرة ، إنك طريد الموت الذي لا ينجو [ منه ] هاربه ولابد أنه يدركك يوما ، فكن منه على حذر أن يدركك على حال سيئة قد كنت تحدث نفسك فيها بالتوبة فيحول بينك وبين ذلك فإذا أنت قد أهلكت نفسك . أي بني أكثر ذكر الموت وذكر ما تهجم عليه وتفضي بعد الموت إليه واجعله أمامك حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك ( 2 ) ولا يأخذك على غرتك . وأكثر ذكر الآخرة وما فيها من النعيم والعذاب الأليم ، فإن ذلك يزهدك في الدنيا ويصغرها عندك . وقد نبأك الله عنها ونعت لك نفسها ( 3 ) وكشفت عن مساويها ، فإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهلها إليها وتكالبهم عليها ( 4 ) ، وإنما أهلها كلاب عاوية وسباع ضارية ، يهر بعضها على بعض ( 5 ) ، يأكل عزيزها ذليلها وكبيرها صغيرها ، قد أضلت أهلها عن قصد السبيل وسلكت بهم طريق العمى ( 6 ) وأخذت بأبصارهم عن منهج الصواب فتاهوا في حيرتها ( 7 ) وغرقوا في فتنتها . واتخذوها ربا فلعبت بهم ولعبوا بها ونسوا ما وراءها . فإياك يا بني أن تكون قد شانته كثرة عيوبها ، ( 8 ) نعم معقلة وأخرى مهملة
--> ( 1 ) القلعة - بالضم فالسكون - أي لا يصلح للاستيطان والإقامة ، يقال : منزل قلعة أي لا يملك لنازله ويقلع عنه ولا يدرى متى ينتقل عنه . والبلغة : ما يبلغ به من العيش والمراد أنها دار تؤخذ فيها الكفاية للآخرة . ( 2 ) الحذر - بالكسر - : الاحتراز والاحتراس . والغرة - بالكسر فالتشديد - : الغفلة . ( 3 ) النعي : الاخبار بالموت والمراد أن الدنيا تخبر بحالها من التغير والتحول عن فنائها . ( 4 ) التكالب ، التواثب وتكالبهم عليها أي شديد حرصهم عليها . ( 5 ) ضارية : مولعة بالافتراس . يهر أي يكره أن ينظر بعضها بعضا ويمقت . ( 6 ) العمى والعماءة : الغواية . ( 7 ) فتاهوا أي ضلوا الطريق . والحيرة : التحير والتردد . ( 8 ) الشين : ضد الزين . أي إياك أن تكون الذي شانته كثرة عيوب الدنيا . وعقل البعير بالتشديد شد وظيفة إلى ذراعه . والنعم - محركة - : الإبل أي أهلها على قسمين قسم كإبل منعها عن الشر عقالها وهم الضعفاء وأخرى مهملة تأتى من السوء ما تشاء وهم الأقوياء .