ابن شعبة الحراني
65
تحف العقول عن آل الرسول ( ص )
بين متعادياتها ( 1 ) متقاربا بين متبايناتها ، دالة بتفريقها على مفرقها وبتأليفها على مؤلفها ، جعلها سبحانه دلائل على ربوبيته وشواهد على غيبته ونواطق عن حكمته إذ ينطق تكونهن عن حدثهن ، ويخبرن بوجودهن عن عدمهم ، وينبئن بتنقيلهن عن زوالهن ويعلن بأفولهن أن لا أفول لخالقهن ، وذلك قوله جل ثناؤه : " ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ( 2 ) " ففرق بين هاتين قبل وبعد ليعلم أن لا قبل له ولا بعد ، شاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها ( 3 ) دالة بتفاوتها أن لا تفاوت في مفاوتها ، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها ، حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه وبينها ، ثبت له معنى الربوبية إذ لا مربوب وحقيقة الإلهية ولا مألوه ( 4 ) وتأويل السمع ولا مسموع ومعنى العلم ولا معلوم ووجوب القدرة ولا مقدور عليه ، ليس مذ خلق الخلق استحق اسم الخالق ولا بإحداثه البرايا استحق اسم البارئ ( 5 ) فرقها لا من شئ وألفها لا بشئ وقدرها لا باهتمام ، لا تقع الأوهام على كنهه ولا تحيط الافهام بذاته ، لا تفوته متى ( 6 )
--> ( 1 ) المتعاديات كالعناصر المختلفة . ( 2 ) سورة الذاريات - 49 والاستشهاد بالآية يحتمل أن يكون إشارة إلى أن التأليف والتفريق والتضاد بين الأشياء واتصافها بصفة التركيب والزوجية والتضايف كلها دلائل على ربوبيته تعالى وعلى أن خالقها واحد لا يوصف بصفاتها لدلالة خلق الزوجين على المفرق والمؤلف لأنه خلق الزوجين من واحد بالنوع فيحتاج إلى مفرق يجعلهما مفرقين أو جعلهما مزاوجين مؤتلفين ألفة لخصوصهما فيحتاج إلى مؤلف يجعلهما مؤتلفين . ( 3 ) الغرائز الطبائع والمغرز : موجد الغرائز ومفيضها عليه والمفاوت - على صيغة اسم الفاعل - من جعل بينها التفاوت . ( 4 ) في بعض نسخ الحديث [ إذ لا مألوه ] . أي من له إله . أي كان مستحقا للعبودية إذ لا عابد وإنما قال : " تأويل السمع " لأنه ليس فيه تعالى حقيقة بل مؤل بعلمه بالمسموعات . ( 5 ) " ليس مذ خلق - إلخ " وذلك لان خالقية التي هي كماله هي القدرة على كل ما علم أنه أصلح ونفس الخلق من آثار تلك الصفة الكمالية ولا يتوقف كماله عليه . والبرايا : جمع البرية وهي الخلق . ( 6 ) كذا . ولكن في بعض نسخ الحديث [ لا يوقته متى ] ولعله هو الصحيح والمعنى : ليس له وقد أول حتى يقال له : متى وجد أو متى علم أو متى قدر وهكذا .