ابن شعبة الحراني
25
تحف العقول عن آل الرسول ( ص )
وصيته صلى الله عليه وآله لمعاذ بن جبل ( 1 ) لما بعثه إلى اليمن يا معاذ علمهم كتاب الله وأحسن أدبهم على الأخلاق الصالحة ، وأنزل الناس منازلهم ( 2 ) - خيرهم وشرهم - وأنفذ فيهم أمر الله ، ولا تحاش في أمره ، ولا ماله أحدا ( 3 ) فإنها ليست بولايتك ولا مالك ، وأد إليهم الأمانة في كل قليل وكثير ، وعليك بالرفق والعفو في غير ترك للحق ( 4 ) ، يقول الجاهل : قد تركت من حق الله ، واعتذر إلى أهل عملك ( 5 ) من كل أمر خشيت أن يقع إليك منه عيب حتى يعذروك وأمت أمر الجاهلية إلا ما سنه الاسلام .
--> ( 1 ) معاذ بن جبل بضم الميم أنصاري ، خزرجي يكنى أبا عبد الرحمن ، أسلم وهو ابن ثمان عشر سنة ، وشهد ليلة العقبة مع السبعين - من أهل يثرب ( المدينة ) - وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله المشاهد ، وبعثه صلى الله عليه وآله إلى اليمن بعد غزوة تبوك ، في سنة العاشر ، وعاش إلى أن توفى في طاعون عمواس بناحية الأردن سنة ثمان عشر في خلافة عمر . ولما بعثه صلى الله عليه وآله إلى اليمن شيعه صلى الله عليه وآله ومن كان معه من المهاجرين والأنصار - ومعاذ راكب ، ورسول الله صلى الله عليه وآله يمشى إلى جنبه ، ويوصيه . فقال معاذ : يا رسول الله : أنا راكب وأنت تمشى ، ألا أنزل فأمشي معك ومع أصحابك ؟ فقال : يا معاذ إنما أحتسب خطأي هذه في سبيل الله . ثم أوصاه بوصايا - ذكرها الفريقين مشروحا وموجزا في كتبهم - ، ثم التفت صلى الله عليه وآله ، فاقبل بوجهه نحو المدينة ، فقال : إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا . ( 2 ) يعنى أنزل الناس على قدرهم ، وشؤوناتهم من الخير والشر . ( 3 ) " لا تحاش " من حاشى فلانا من القوم أي استثناه . أي لا تكترث بما لا حد فتخرجه من عموم الحكم ، بل لا تستئن أحدا . ( 4 ) في بعض النسخ [ من غير ترك للحق ] . ( 5 ) في بعض النسخ [ واعتذر إلى أهل علمك ] يعنى ان في كل أمر خشيت أن يسرع إليك عيب منه تقدم العذر قبل أن يعذروك .