ابن شعبة الحراني

291

تحف العقول عن آل الرسول ( ص )

موعظة وحضره ذات يوم جماعة من الشيعة فوعظهم وحذرهم وهم ساهون لاهون ، فأغاظه ذلك ، فأطرق مليا ، ثم رفع رأسه إليهم فقال : إن كلامي لو وقع طرف منه في قلب أحدكم لصار ميتا . ألا يا أشباحا بلا أرواح وذبابا بلا مصباح كأنكم خشب مسندة ( 1 ) وأصنام مريدة . ألا تأخذون الذهب من الحجر ، ألا تقتبسون الضياء من النور الأزهر ، ألا تأخذون اللؤلؤ من البحر . خذوا الكلمة الطيبة ممن قالها وإن لم يعمل بها ، فإن الله يقول : " الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله ( 2 ) " ويحك يا مغرور ألا تحمد من تعطيه فانيا ويعطيك باقيا ، درهم يفنى بعشرة تبقى إلى سبعمائة ضعف مضاعفة من جواد كريم ، آتاك الله عند مكافأة ( 3 ) هو مطعمك وساقيك وكاسيك ومعافيك وكافيك وساترك ممن يراعيك . من حفظك في ليلك ونهارك وأجابك عند اضطرارك وعزم لك على الرشد في اختبارك . كأنك قد نسيت ليالي أوجاعك وخوفك دعوته فاستجاب لك ، فاستوجب بجميل صنيعه الشكر ، فنسيته فيمن ذكر . وخالفته فيما أمر . ويلك إنما أنت لص من لصوص الذنوب ( 4 ) . كلما عرضت لك شهوة أو ارتكاب ذنب سارعت إليه وأقدمت بجهلك عليه ، فارتكبته كأنك لست بعين الله . أو كأن الله ليس لك بالمرصاد . يا طالب الجنة ما أطول نومك وأكل مطيتك وأوهى همتك ( 5 ) فلله أنت من طالب ومطلوب ويا هاربا من النار ما أحث مطيتك إليها وما أكسبك

--> ( 1 ) شبههم عليه السلام في عدم الانتفاع بهم بالخشب المسندة إلى الحائط والأصنام المنحوتة من الخشب وإن كانت هياكلهم معجبة وألسنتهم ذليقة . وفى بعض النسخ [ وأصنام مربذة ] . ( 2 ) سورة الزمر آية 18 . ( 3 ) إشارة إلى قوله تعالى في سورة البقرة آية 261 : " مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم . ( 4 ) اللص - بالكسر - : فعل الشئ في ستر - ومنه قيل للسارق : لص . وجمعه لصوص . ( 5 ) أو هي فلانا : أضعفه وجعله واهيا .