الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
98
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
المعبود ) ومن كل هذا نخلص إلى أن التوكل لا يكون إلا على الله مع صرف النظر عن عبادة غيره . وإذا أمعنا النظر في المواجهة التي حدثت بين إبراهيم محطم الأصنام والطاغية نمرود الذي ادعى الربوبية والقدرة على إحياء الناس وإماتتهم ، والذي انبهت وتحير في كيفية تنفيذ طلب إبراهيم ( عليه السلام ) عندما طلب منه أن يجعل الشمس تشرق من المغرب إن كان صادقا في ادعاءاته ، مثل هذه الادعاءات التي يندر وجودها حتى في أوساط عبدة الأصنام ، لا يمكن أن تصدر إلا من أفراد ذوي عقول ضعيفة ومغرورة وبلهاء كعقل نمرود . والملفت للنظر أن الضمير العائد على تلك الآلهة الكاذبة في هذه الآيات ، إنما جاء بصيغة جمع المؤنث ( هن - كاشفات - ممسكات - ) وذلك يعود لأسباب : أولا : إن الأصنام المعروفة عند العرب كانت تسمى بأسماء مؤنثة اللات ومناة والعزى ) . ثانيا : يريد البارئ عز وجل بهذا الكلام تجسيد ضعف هذه الآلهة أمامهم ، وطبقا لمعتقداتهم ، لأنهم كانوا يعتقدون بضعف وعجز الإناث . ثالثا : لأن هناك الكثير من الآلهة لا روح فيها ، وصيغة جمع المؤنث تستخدم عادة بالنسبة إلى تلك الموجودات الجامدة ، لذا فقد استفيد منها في آيات بحثنا هذا . كما يجب الالتفات إلى أن عبارة عليه يتوكل المتوكلون تعطي معنى الحصر بسبب تقدم كلمة ( عليه ) وتعني أن المتوكلين يتوكلون عليه فقط . الآية التالية تخاطب أولئك الذين لم يستسلموا لمنطق العقل والوجدان بتهديد إلهي مؤثر ، إذ تقول : قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون ( 1 ) .
--> 1 - ما هو أصل كلمة ( مكانة ) ؟ وماذا تعني ؟ أغلب المفسرين واللغويين قالوا : إنها تعني المكان والمنزلة ، وهي من مادة ( كون ) ولأنها تستخدم كثيرا بمعنى المكان لهذا يتصور أن الميم فيها أصلية ، ولذا أصبح جمع تكسيرها ( أمكنة ) أما صاحب ( لسان العرب ) ، فقد ذكر أن أصلها ( مكنة ) و ( تمكن ) والتي تعني القدرة والاستطاعة . وعلى أية حال فإن مفهوم الآية يكون في الحالة الأولى : أبقوا على مواقفكم ، وفي الحالة الثانية : ابذلوا كل ما لديكم من جهد وطاقة .