الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

69

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

لا يشعرون . فالإنسان لا يتألم كثيرا إن أصيب بضربة كان يتوقعها ، إلا أنه يتألم كثيرا إن وجهت إليه ضربة من طرف لم يتوقع أن تصدر منه ، كأن تصدر عن أقرب أصدقائه ، أو يلحق به أذى من أمور حيوية جدا ومحبوبة له كالماء الذي هو مصدر حياة الإنسان ، أو من نفحة النسيم التي هي مصدر نشاطه ، أو من الأرض الهادئة التي هي مقر استراحته وأمنه . نعم ، إن نزول العذاب الإلهي بواسطة هذه الطرق يعد أمرا مؤلما جدا ، كالذي أصاب قوم نوح وعاد وثمود ولوط وفرعون وقارون وأمثالهم ، إذ لم يكن أي أحد منهم يتوقع أن يصيبه العذاب بواسطة إحدى الطرق المذكورة أعلاه . الآية الأخيرة في بحثنا هذا تبين أن عذاب هؤلاء الدنيوي لا يقتصر على العذاب الجسدي ، وإنما يشتمل أيضا على عقوبات نفسية : فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ( 1 ) . نعم ، فإن أصيب الإنسان بمصيبة في هذه الدنيا ، ثم خرج منها مرفوع الرأس حافظا لماء وجهه ، فهذه الحالة ليست بعار وخزي على الإنسان ، إنما العار والخزي للإنسان الذي يخرج من هذه الدنيا رذيلا وذليلا ، ومبتلى بعذاب فاضح يريق ماء وجهه ، ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون . كلمة ( أكبر ) كناية عن شدة العذاب وقسوته . * * * 2 بحث وردت عدة روايات في ذيل الآيات مورد البحث تجسم أمامنا آفاقا أوسع مهما يفهم من الآية .

--> 1 - كلمة ( خزي ) تعني الذل والهوان كما تعني الفضيحة ( يراجع لسان العرب ) .