الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

493

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

أما بخصوص الأمم فقد تم استخدام عبارة ( من ينيب ) " والتي تعني الرجوع إلى الخالق والتوبة عن الذنب " حتى يتضح معيار الهداية الإلهية وشرائطها للجميع ، ويعثروا على طريق الوصول إلى بحر رحمته . جاء في الحديث القدسي " من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة " ( 1 ) . وقد ورد هذا الاحتمال أيضا في تفسير الجملة الأخيرة ، وهو أن ( الاجتباء ) لا يختص بالأنبياء فحسب ، بل يشمل جميع العباد المخلصين الذين لهم المقام المحمود عند الخالق . وبما أن أحد أركان دعوة الأنبياء أولى العزم هو عدم التفرق في الدين ، فقد كانوا يدعون لذلك حتما ، لذا فقد يطرح هذا السؤال : ما هو أساس كل هذه الاختلافات المذهبية ؟ وقد أجابت الآية الأخرى على هذا السؤال وذكرت أساس الاختلافات الدينية بأنه : وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ، فالاختلافات لم تحدث إلا بسبب حب الدنيا والمنصب والظلم والحسد والعداوة . نعم ، فعبيد الدنيا الظلمة والحسودون الحاقدون وقفوا حيال أديان الأنبياء جميعا ، ودفعوا كل مجموعة باتجاه معين كيما يثبتوا أركان زعامتهم ويؤمنوا مصالحهم الدنيوية ، ويكشفوا - علانية - حسدهم وعداوتهم للمؤمنين الحقيقيين دين الأنبياء ، ولكن كل هذا حصل بعد إتمام الحجة . وبهذا الترتيب فإن أساس التفرق في الدين لم يكن الجهل ، بل كان الظلم والبغي والانحراف عن الحق ، والأهواء والآراء الشخصية . " فالعلماء الذين يطلبون الدنيا " و " والحاقدون من الناس والمتعصبون " اتحدوا معا لزرع هذه الاختلافات .

--> 1 - التفسير الكبير للفخر الرازي ، المجلد 27 ، ص 157 ( نهاية الآيات التي نبحثها ) .