الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

442

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الثاني هو اليأس من الرحمة ( 1 ) . ولكن الذي نستفيد ، من الاستخدام القرآني أن الاثنين يستخدمان تقريبا للدلالة على معنى واحد ، فنقرأ في قصة يوسف - مثلا - أن يعقوب ( عليه السلام ) حذر أبناءه من اليأس من رحمة الله ، في حين كانت قلوبهم يائسة من العثور على يوسف ، وكانوا أيضا يظهرون علامات اليأس . ( 2 ) . وفي حالة إبراهيم ( عليه السلام ) نرى أنه عجب من البشارة التي زفتها إليه الملائكة بالولد ، لكن الملائكة قالت له : بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين ( 3 ) . الآية التالية تشير إلى صفة أخرى من صفات الإنسان الجاهل البعيد عن العلم والإيمان متمثلة بالغرور : ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي ( 4 ) أي إنني مستحق ولائق لمثل هذه المواهب والمقام . إن الإنسان المغرور ينسى أن البلاء كان من الممكن أن يشمله عوضا عن النعمة ، تماما كما قال قارون : قال إنما أوتيته على علم عندي ( 5 ) . تضيف الآية بعد ذلك أن هذا الغرور يقود الإنسان في النهاية إلى إنكار الآخرة حيث يقول : وما أظن الساعة قائمة . ولنفرض أن هناك قيامة فإن حالي سيكون أحسن من هذا : ولئن رجعت إلى ربي ان لي عنده للحسنى . إن هذه الحالة تشابه ما استمعنا إليه في سورة الكهف من قصة الرجلين الذين كان أحدهما غنيا مغرورا ، والثاني عارفا مؤمنا ، حيث حكت الآية على لسان الثري المغرور قوله : ما أظن أن تبيد هذه أبدا ، وما أظن الساعة قائمة ولئن

--> 1 - مجمع البيان ، المجلد 9 ، صفحة 18 . 2 - يوسف ، الآية 87 فما فوق . 3 - الحجر - 55 . 4 - ذهب بعض المفسرين للقول بأن جملة " هذا لي " تعني أن هذه النعمة ستبقى دائما لي ، أي إنها في الحقيقة توضح دوام ذلك ، إلا أن التفسير الذي عرضناه أعلاه أنسب بالرغم من إمكان الجمع بين الاثنين ، أي إنهم يعتبرون أنفسهم مستحقين للنعم ، ويتصورونها دائمة لهم أيضا . 5 - القصص ، الآية 78 .