الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
432
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
المهم هنا أن القرآن وفي هذه الآيات البينات نفى الجبر الذي يؤدي إلى إشاعة الفساد وارتكاب أنواع القبائح ، والاعتقاد به يؤدي إلى إلغاء أي نوع من المسؤولية والتكليف ، بينما الجميع مسؤولون عن أعمالهم ، نتائجها تعود بالدرجة الأولى عليهم . لذلك نقرأ في حديث عن الإمام علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) في الإجابة على هذا السؤال : هل يجبر الله عباده على المعاصي ؟ فقال : " لا ، بل يخيرهم ويمهلهم حتى يتوبوا " . فسئل ( عليه السلام ) مجددا : هل كلف عباده ما لا يطيقون ؟ أجاب الإمام ( عليه السلام ) : " كيف يفعل ذلك وهو يقول : وما ربك بظلام للعبيد " . ثم أضاف الإمام الرضا ( عليه السلام ) : " إن أبي موسى بن جعفر نقل عن أبيه جعفر بن محمد من زعم أن الله يجبر عباده على المعاصي أو يكلفهم ما لا يطيقون فلا تأكلوا ذبيحته ، ولا تقبلوا شهادته ، ولا تصلوا وراءه ولا تعطوه من الزكاة شيئا " ( 1 ) . إن هذا الحديث الشريف يشير - ضمنا - إلى هذه الملاحظة الدقيقة . وهي إن الجبريين ينتهون في عقيدتهم إلى القول ب " التكليف بما لا يطاق " لأن الإنسان إذا كان مجبورا على الذنب من ناحية ، وممنوعا عنه من ناحية أخرى ، فهذا يكون مصداقا واضحا للتكليف بما لا يطاق . 3 ثانيا : الذنوب وسلب النعم في حديث عميق الدلالة لأمير المؤمنين نقرا قوله ( عليه السلام ) : " وأيم الله ! ما كان قوم قط في غض نعمة من عيش فزال عنهم إلا بذنوب اجترحوها ، لأن الله ليس بظلام للعبيد " . ثم أضاف ( عليه السلام ) :
--> 1 - عيون أخبار الرضا ، نقلا عن نور الثقلين ، المجلد 4 ، صفحة 555 .