الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
422
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
مخاطبة أهل النار كدليل على عدم امتلاكهم الخيار في أمرهم ، بينما يستخدم كلمة " يأتي " في مخاطبة أهل الجنة ، كدليل على احترامهم وحريتهم وإرادتهم في اختيار الأمن والهدوء . وفوق كل هذا فقد استخدمت الآية تعبير الأمان من العذاب كناية عن الجنة ، بينما استخدمت نار جهنم بشكل مباشر ، وفي ذلك إشارة إلى أن أهم قضية في ذلك اليوم هي " الأمن " . وعندما ييأس الإنسان من هداية شخص يخاطبه بقوله : افعل ما شئت . لذا فالآية تقول لأمثال هؤلاء : اعملوا ما شئتم . لكن عليكم أن تعلموا : أنه بما تعملون بصير . لكن هذا الأمر لا يعني أن لهم الحرية في أن يعملوا ما يشاؤون ، أو أن يتصرفوا بما يرغبون ، بل هو تهديد لهم بأنهم لا يصغون لكلام الحق ، إنه تهديد يتضمن توعد هؤلاء والصبر على أعمالهم إلى حين . الآية التي بعدها تتحول من الحديث عن التوحيد والمعاد إلى القرآن والنبوة ، وتحذر الكفار المعاندين بقوله تعالى : إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم ( 1 ) . إن إطلاق وصف " الذكر " على القرآن يستهدف تذكير الإنسان وإيقاظه ، وشرح وتفصيل الحقائق له بشكل إجمالي عن طريق فطرته ، وقد ورد نظير ذلك في الآية ( 9 ) من سورة " الحجر " في قوله تعالى : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون . ثم تنعطف الآية لبيان عظمة القرآن فتقول : وإنه لكتاب عزيز . إنه كتاب لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله أو أن يتغلب عليه ، منطقه عظيم
--> 1 - لقد ذكر المفسرون عدة احتمالات حول خبر " إن الذين " أنسبها ان نقول بأن الخبر هو جملة ( لا يخفون علينا ) حيث حذف بقرينة الآية السابقة . وقال البعض : إن الخبر هو جملة " يلقون في النار " المستفادة من الآية السابقة ، بينما قال البعض بأنه جملة " أولئك ينادون من مكان بعيد " التي ترد في الآيات القادمة ، لكن الرأي الأول أرجح .