الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

416

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الآفاق ( 1 ) : ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر فالليل وظلمته للراحة ، والنهار وضوءه للحركة . وهذان التوأمان يقومان بإدارة عجلة حياة الناس بشكل متناوب ومنظم ، بحيث لو كان أحدهما دائميا أو استمر لمدة أطول ، فستصاب جميع الكائنات بالفناء ، لذا فإن الحياة تنعدم على سطح القمر حيث تعادل لياليه ( 15 ) ليلة أرضية ونهاره بهذا المقدار أيضا . إن لياليه المظلمة الباردة تجعل كل شئ جامدا ، أما نهاره الطويل الحار فإنه يحرق كل شئ ، لذلك لا يستطيع الإنسان وكائنات أرضنا أن تعيش على القمر . أما الشمس فهي مصدر كل البركات المادية في منظومتنا ، فالضوء والحرارة والحركة ونزول المطر ، ونمو النباتات ونضج الفواكه ، وحتى ألوان الورود الجميلة ، كل ذلك يدين في وجوده إلى الشمس . القمر يقوم بدوره بإضاءة الليالي المظلمة ، وضوءه دليل السائرين في دروب الصحراء ، وهو يجلب الخيرات بتأثيره على مياه البحار وحدوث الجزر والمد فيه . ولعل البعض قام بالسجود لهذين الكوكبين السماويين وبعبادتهما بسبب الخيرات والبركات الآنفة الذكر ، فتاهوا في عالم الأسباب ، ولم يستطيعوا الوصول إلى مسبب الأسباب . ولذلك نرى القرآن بعد هذا البيان يقول مباشرة : لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون ( 2 ) . فماذا لا تتوجهوا بالسجود والعبادة إلى خالق الشمس والقمر ؟

--> 1 - ينبغي الالتفات إلى أن السجدة هنا واجبة في حال سماع الآية أو تلاوتها . 2 - يرجع ضمير التأنيث في ( خلقهن ) إلى الليل والنهار والشمس والقمر كما يقول علماء اللغة وأصحاب التفسير ، إذ أن ضمير جمع المؤنث العاقل قد يعود أحيانا إلى جمع غير العاقل كما يقال مثلا ( الأقلام بريتهن ) والبعض يعتقد أن الضمير هنا يرجع للآيات التي هي جمع مؤنث لغير العاقل . واحتمل البعض أن الضمير يعود على الشمس والقمر فقط باعتبار آنها جنس تشمل جميع الكواكب وكأنها تتمتع بعقل وشعور .