الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
383
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وسجود ذرات العالم وكائنات الوجود بين يدي الله تبارك وتعالى . والمعنى الثاني محتمل أيضا لأننا نعلم أن أي كائن في هذا العالم لا يفنى من الوجود ، وأن آثار أقوالنا وأفعالنا سوف تبقى في أعضائنا وجوارحنا ، ومن الطبيعي أن تعتبر " الشهادة التكوينية " هذه من أوضح الشهادات وأجلاها ، إذ لا مجال لإنكارها ، كما في إصفرار الوجه - الذي يعتبر عادة دليلا - على الخوف لا يمكن إنكاره ، واحمراره دليل على الغضب أو الخجل . وإطلاق النطق على هذا المعنى يكون مقبولا أيضا . أما الاحتمال الأخير في أن تنطق الأعضاء بإذن ا لله تعالى دون أن يكون لها شعور بذلك أو يظهر منها اثر تكويني ، فإن ذلك بعيد ظاهرا ، لأنه في مثل هذه الحالة لا تعتبر الحالة مصداقا للشهادة التشريعية ولا مصداقا للشهادة التكوينية ، فلا عقل هناك ولا شعور ولا الأثر الطبيعي للعمل ، وسوف تفقد قيمة الشهادة في المحكمة الإلهية الكبرى . ومن الضروري الانتباه إلى أن قوله تعالى : حتى إذا ما جاءوها يبين أن شهادة أعضاء الإنسان تتم في محكمة النار ، فهل مفهوم ذلك أن الشهادة تتم في النار ، في حين أن النار هي نهاية المطاف ، أم أن المحكمة تنعقد بالقرب من النار ؟ الاحتمال الثاني هو الأقرب كما يظهر . ثم ما هو المقصود من ( جلود ) بصيغة الجمع ؟ الظاهر أن المقصود بذلك هو جلود الأعضاء المختلفة للجسم ، جلد اليد والرجل والوجه وغير ذلك . أما الروايات التي تفسر ذلك ب " الفروج " فهي في الحقيقة من باب بيان المصداق ، وليس حصر مفهوم الجلود في ذلك . ومن جانب آخر رب سائل يسأل : لماذا تشهد العين والأذن والجلود فقط ، دون أعضاء الجسم الأخرى ؟ وهل الشهادة مقتصرة على هذه الأعضاء ، أو أن